احتجاجات فرنسا 2026 تتصاعد.. أكثر من 1400 اعتقال ومارين لوبان تطلق حملتها الرئاسية
تتصاعد الاحتجاجات في فرنسا مع اتساع الغضب الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة وأوضاع المدارس، في أزمة اجتماعية وسياسية تضغط على الرئيس إيمانويل ماكرون خلال الأشهر الأخيرة من ولايته. وبدأت التحركات باحتجاجات طلاب المدارس الثانوية على نقص المعلمين وتدهور المباني التعليمية، قبل أن تمتد إلى مطالب اقتصادية واجتماعية أوسع، وسط دعوات سياسية إلى تغيير الحكومة ورحيل الرئيس.
وشهدت فرنسا، السبت 24 أكتوبر 2026، مظاهرات واسعة في عدد من المدن، مع انتشار نحو 70 ألف عنصر من الشرطة وقوات الأمن. وأعلنت السلطات توقيف 1435 شخصًا خلال احتجاجات السبت، وفق تصريحات نقلتها وكالة رويترز، في حين أشارت تقارير إعلامية أولية إلى أن عدد الموقوفين اقترب من ألف شخص.
وبالتزامن مع هذه التطورات، أطلقت زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، مارين لوبان، حملتها للانتخابات الرئاسية المقبلة من مدينة أورليان، مستفيدة من حالة الغضب العام لتقديم برنامجها القائم على تشديد الإجراءات الأمنية وضبط الحدود وتقليص نفوذ الاتحاد الأوروبي. وجاء التحرك الانتخابي في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي المنشورة في أكتوبر تقدم لوبان في عدد من سيناريوهات الجولة الأولى، مع استمرار الجدل حول مستقبلها السياسي وملف إدانتها القضائية.
احتجاجات فرنسا تبدأ من المدارس وتتحول إلى أزمة اجتماعية واسعة
انطلقت موجة الاحتجاجات في فرنسا من المدارس الثانوية خلال سبتمبر 2026، على خلفية شكاوى الطلاب من تدهور المباني التعليمية ونقص المدرسين وضعف الموارد المخصصة للتعليم. ومع استمرار التحركات، تجاوزت المطالب حدود المؤسسات التعليمية لتشمل ارتفاع تكاليف المعيشة والفقر والتفاوت الاقتصادي، فضلًا عن الاعتراض على أساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين.
وبمرور الوقت، انضمت نقابات عمالية ومجموعات من المحتجين الذين سبق أن شاركوا في تحركات «السترات الصفراء»، لتتحول الأزمة إلى حركة احتجاجية أوسع تستهدف الخدمات العامة والسياسات الاقتصادية للحكومة.
وشهدت الاحتجاجات تفاوتًا في تقديرات أعداد المشاركين. فقد نقلت صحيفة «الجارديان» أن تقديرات الحكومة أشارت إلى مشاركة ما لا يقل عن 400 ألف شخص في مظاهرات السبت، بينما رفعت نقابات تقديرها إلى نحو 800 ألف مشارك. وتعكس هذه الفجوة اختلاف طرق رصد الحشود بين السلطات والجهات المنظمة، لكنها تؤكد اتساع نطاق التحركات على مستوى البلاد.
70 ألف عنصر أمن وأكثر من 1400 اعتقال خلال مظاهرات السبت
رفعت السلطات الفرنسية درجة الاستعداد الأمني بالتزامن مع المظاهرات، ونشرت نحو 70 ألف شرطي وعنصر أمن في مختلف أنحاء البلاد، خشية تكرار أعمال العنف التي رافقت احتجاجات سابقة.
ورغم أن مسيرات عدة بدأت بصورة سلمية، سُجلت مواجهات واضطرابات في مدن رئيسية، بينها باريس ومرسيليا وليون. وأعلنت وزارة الداخلية توقيف 1435 شخصًا خلال احتجاجات السبت، بحسب ما نقلته رويترز في تقريرها المنشور يوم 26 أكتوبر 2026.
كما تحدثت السلطات عن مواجهات بين مجموعات من اليمين المتطرف ونشطاء من اليسار المتطرف في بعض المدن، في تطور أضاف بُعدًا سياسيًا وأمنيًا إلى المشهد الاحتجاجي. وحذرت الحكومة من احتمال تجدد الاضطرابات خلال التحركات المعلنة في 31 أكتوبر، بالتزامن مع استمرار الدعوات إلى التظاهر.
وتضع هذه التطورات السلطات أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الحفاظ على الأمن العام، والاستجابة للمطالب الاجتماعية التي دفعت الطلاب والنقابات إلى النزول إلى الشوارع.
ماكرون يواجه ضغوطًا متزايدة لإصلاح التعليم واحتواء الغضب الشعبي
في محاولة لاحتواء الأزمة، التقى ماكرون ممثلين عن طلاب المدارس الثانوية، بينما استمرت المطالب بزيادة أعداد المعلمين وتحسين المباني التعليمية وإصلاح نظام القبول الجامعي الذي يرى المحتجون أنه يكرس أوجه عدم المساواة.
لكن اللقاءات السياسية لم تنه الاحتجاجات، إذ طالب ممثلو الطلاب بإجراءات ملموسة بدلًا من الوعود، مؤكدين أهمية معالجة المشكلات التي تواجه المدارس والجامعات.
وفي 26 أكتوبر 2026، أعلن ماكرون أن الحكومة ستطرح حزمة إجراءات للاستجابة للمطالب التي وصفها بالمشروعة، في وقت كان رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو يستعد لعقد مؤتمر صحفي بعد لقاء مع ممثلي الطلاب. وأقر الرئيس الفرنسي باحتمال استمرار الاضطرابات، بينما أشارت الحكومة إلى أن القيود المالية تحد من قدرتها على تقديم تنازلات مكلفة على غرار ما حدث خلال موجات احتجاج سابقة.
وتكتسب الأزمة أهمية إضافية مع اقتراب نهاية ولاية ماكرون، إذ تضع الاحتجاجات أداء الحكومة وملفات التعليم والمعيشة والخدمات العامة في صلب النقاش السياسي قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
دعوات إلى استقالة ماكرون وسط جدل حول مسؤولية الحكومة
أدى اتساع الاحتجاجات إلى تصاعد الانتقادات السياسية للرئيس الفرنسي، مع دعوات من بعض قادة المعارضة إلى تنحيه أو تغيير المسار الحكومي. ومن بين المطالب التي برزت خلال الأزمة تحميل القيادة السياسية مسؤولية تدهور الأوضاع الاجتماعية والأمنية، إلى جانب المطالبة باستجابة أكثر فاعلية لمشكلات التعليم وارتفاع الأسعار.
وسبق أن شهدت الساحة الفرنسية تحركات سياسية تطالب بمساءلة الرئيس، بينها مبادرات لعزل ماكرون طُرحت خلال السنوات السابقة، إلا أن الدعوات السياسية لا تعني في حد ذاتها وجود مسار مؤسسي مكتمل لإنهاء ولايته قبل موعدها.
وتتداخل في الأزمة الحالية المطالب الاقتصادية مع الجدل بشأن أساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين، وهو ما يمنح الاحتجاجات أبعادًا تتجاوز مطالب الطلاب الأصلية. كما أن اتساع المشاركة لتشمل النقابات ومجموعات اجتماعية مختلفة يضع الحكومة أمام ضرورة التعامل مع ملفات متعددة، بدلًا من الاقتصار على حلول تخص المدارس وحدها.
مارين لوبان تطلق حملتها الرئاسية من أورليان
بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات، أطلقت مارين لوبان حملتها للانتخابات الرئاسية الفرنسية في مدينة أورليان، الأحد 25 أكتوبر 2026، مقدمة حزب التجمع الوطني باعتباره قادرًا على استعادة الأمن وتعزيز سيادة الدولة والاستجابة للمخاوف الاقتصادية والاجتماعية.
وركزت لوبان في خطابها على تشديد إجراءات الأمن ومكافحة الجريمة، وضبط الحدود، وترحيل الأجانب المدانين، إلى جانب تقليص نفوذ مؤسسات الاتحاد الأوروبي وتعزيز سلطة القرار الوطني. كما تضمن برنامجها المعلن توجهات اقتصادية تشمل خفض البيروقراطية ودعم الصناعة، وفقًا للتغطية التي نشرتها رويترز.
وشارك في التجمع رئيس الحزب جوردان بارديلا، الذي قدمته لوبان بوصفه خيارها لرئاسة الحكومة حال وصولها إلى الرئاسة، في خطوة تستهدف إظهار وحدة القيادة داخل الحزب قبل الاستحقاق الانتخابي.
ويأتي إطلاق الحملة وسط اضطرابات اجتماعية تمنح قضايا الأمن وتكاليف المعيشة والخدمات العامة حضورًا كبيرًا في النقاش السياسي الفرنسي. وأظهر استطلاع نشره معهد إيبسوس في 24 أكتوبر أن لوبان حصلت على ما بين 32% و33.5% من نيات التصويت في سيناريوهات مختلفة للجولة الأولى، وهي نتائج مرتبطة بوقت إجراء الاستطلاع والمرشحين المفترضين في كل سيناريو، ولا تمثل نتيجة انتخابية نهائية.
قضية إدانة مارين لوبان.. هل تؤثر في ترشحها للرئاسة؟
إلى جانب التحديات السياسية والاحتجاجات، تواجه لوبان تداعيات قضية اختلاس أموال من البرلمان الأوروبي. ففي 7 يوليو 2026، أصدرت محكمة الاستئناف في باريس حكمًا قضى بسجنها ثلاث سنوات، منها سنتان مع إيقاف التنفيذ، على أن تُنفذ السنة المتبقية في المنزل باستخدام سوار إلكتروني، إضافة إلى غرامة قدرها 100 ألف يورو.
كما قضت المحكمة بحرمانها من الترشح للانتخابات لمدة 45 شهرًا، مع إيقاف تنفيذ 30 شهرًا من هذه المدة. وباحتساب الأشهر التي سبق تنفيذها منذ الحكم الابتدائي الصادر في مارس 2025، استعادت لوبان أهلية الترشح وفق الحكم الاستئنافي.
وأعلنت لوبان اللجوء إلى محكمة النقض، وقالت إن الطعن يوقف تنفيذ آثار الحكم إلى حين الفصل فيه، بما يسمح لها بخوض الحملة الانتخابية دون ارتداء السوار الإلكتروني في هذه المرحلة. وكان من المقرر أن تصدر محكمة النقض قرارها في يناير 2027، وفق ما أوردته صحيفة «لوموند» في تقريرها عن الحكم الاستئنافي.
وأثار الحكم مواقف متباينة داخل المشهد السياسي الفرنسي، بين من يرى أن الإدانة تطرح أسئلة بشأن أهلية المرشحة سياسيًا، ومن يشدد على أن حسم الآثار القانونية يجب أن يظل من اختصاص القضاء. وبذلك، يبقى الملف القضائي أحد العوامل التي سترافق حملة لوبان، رغم استعادتها حق الترشح في ضوء الحكم الاستئنافي.
مظاهرات مضادة في أورليان وتشديد أمني خلال حملة اليمين المتطرف
لم يقتصر المشهد في أورليان على تجمع أنصار التجمع الوطني، إذ خرجت مظاهرات معارضة للمؤتمر بمشاركة شخصيات ونقابيين ومجموعات من اليسار، في انعكاس للانقسام السياسي حول برنامج الحزب وتوجهاته المتعلقة بالهجرة والأمن والاتحاد الأوروبي.
وجاءت التحركات المضادة بالتزامن مع تشديد الإجراءات الأمنية في المدينة، وسط مخاوف من وقوع احتكاكات بين المؤيدين والمعارضين. ويبرز هذا المشهد طبيعة الاستقطاب السياسي الذي يرافق الاستعداد للانتخابات الرئاسية، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة اجتماعية تتداخل فيها مطالب تحسين الخدمات العامة مع المنافسة بين القوى السياسية.
وتكشف التطورات الأخيرة في فرنسا عن مسارين متوازيين: حركة احتجاجية بدأت من المدارس ثم امتدت إلى مطالب معيشية واجتماعية، وحملة انتخابية تحاول استثمار القضايا نفسها في تقديم بدائل سياسية. وبين وعود الحكومة بالإصلاح وتصاعد مطالب المحتجين وتحركات لوبان الانتخابية، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه النقاش العام الفرنسي قبل انتخابات 2027.