< القصف يلاحق المرضى.. تحقيق يوثق استهداف 43 منشأة ومرفقًا صحيًا في الفاشر بالسودان
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

القصف يلاحق المرضى.. تحقيق يوثق استهداف 43 منشأة ومرفقًا صحيًا في الفاشر بالسودان

طبيبات سودانيات يجرون
طبيبات سودانيات يجرون عملية جراحية على ضوء الهواتف

توصل تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، نشر الجمعة 23 أكتوبر 2026، إلى أدلة على وقوع 43 هجومًا على الأقل استهدفت مستشفيات ومرافق للرعاية الصحية في مدينة الفاشر بين مايو 2024 وأكتوبر 2025، وتحدث التحقيق عن نمط متكرر من القصف والهجمات التي أدت إلى تدمير منشآت طبية وإجبار أخرى على الإغلاق عمدًا.

الفاشر تحت الحصار.. المستشفيات تتحول إلى أهداف

كشف التحقيق، الذي استند إلى شهادات أطباء وعاملين في القطاع الصحي كانوا موجودين داخل الفاشر، أن الهجمات طالت المستشفيات الرئيسية والعيادات الصغيرة ومراكز العلاج المتخصصة، حتى عندما حاولت نقل خدماتها إلى مواقع بديلة.

وأشار إلى أن مستشفى الفاشر التعليمي توقف عن العمل في بداية الحرب، وانتقلت الخدمات الطبية إلى مستشفى الجنوب، قبل أن يتعرض الأخير لقصف متكرر خلال حصار المدينة. 

وشهدت أواخر مايو ومطلع يونيو 2024 تصعيدا في الهجمات على مستشفى الجنوب، مع تقدم مقاتلي الدعم السريع نحو مواقعهم داخل المدينة. 

وقال أطباء إن المستشفى كان مكتظا بالمرضى والمصابين، لأنه مثل أحد آخر المرافق القادرة على إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية العاجلة للسكان المحاصرين.

وتصاعدت الأحداث في 8 يونيو 2024، عندما اقتحم مقاتلو الدعم السريع المستشفى، بحسب شهادات نقلها التحقيق. وقال مدير المستشفى، الجراح عز الدين أحمد داود أسو، إنه تعرض للضرب على أيدي مسلحين، وإنه اضطر إلى التظاهر بالموت حتى يتمكن من النجاة. وعندما عاد إلى عمله، وجد جثث مرضى ومعدات جراحية مدمرة داخل غرفة العمليات. 

43 هجومًا تضرب منظومة الرعاية الصحية

وثق التحقيق 43 هجوما على الأقل على المستشفيات والمنشآت الصحية في الفاشر خلال الفترة من مايو 2024 إلى أكتوبر 2025، مع تعرض بعض المواقع لهجمات متكررة.

وأوضح أن مستشفى السعودية، الذي انتقلت إليه خدمات طبية بعد إغلاق مستشفى الجنوب، تعرض لقصف متكرر، وصل في بعض الأيام إلى نحو 25 هجوما، باستخدام القذائف والطائرات المسيرة.

واضطر العاملون إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لمواصلة علاج المرضى، شملت إقامة حواجز من أكياس الرمل وإنشاء ملاجئ تحت الأرض باستخدام حاويات معدنية، إلى جانب نقل بعض العمليات إلى مواقع بديلة، لكن هذه التدابير لم تمنع استمرار الهجمات، وفقًا لشهادات الأطباء الذين تحدثوا إلى التحقيق.

وامتدت الهجمات إلى مستشفى الأطفال التخصصي ومركز غسيل الكلى، إذ تعرضت مواقع بديلة نقلت إليها الخدمات الطبية للقصف، ما أدى إلى إغلاقها وتعطيل العلاج. 

وبحلول استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025، أصبح مستشفى السعودية آخر منشأة صحية عاملة في المدينة، وفق التحقيق. 

55 قتيلًا و120 مصابًا من العاملين بالقطاع الطبي

سلط التحقيق الضوء على التكلفة البشرية للهجمات، مشيرا إلى مقتل 55 عاملا في القطاع الطبي وإصابة 120 آخرين، فضلا عن اختفاء أو اختطاف 10 أشخاص، خلال الفترة من أبريل 2023 إلى أكتوبر 2025.

وتكشف هذه الأرقام حجم المخاطر التي واجهها الأطباء والممرضون والعاملون الذين حاولوا الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الطبية في ظل الحصار ونقص الإمدادات وتدمير المنشآت.

وروى أطباء للهيئة كيف تعرضت فرق طبية ومرضى للخطر أثناء نقل المصابين بين المواقع المؤقتة، مشيرين إلى أن الطائرات المسيرة لاحقت في بعض الحالات أشخاصا كانوا ينقلون المرضى.

وقال مدير المستشفى إن هجوما وقع في 15 مارس 2025 أسفر عن مقتل تسعة أشخاص عند بوابة منشأة طبية مؤقتة، بعدما تبعتهم طائرة مسيرة أثناء نقل المصابين.

وفي واقعة أخرى، قال إن عربة تجرها دابة كانت تنقل مرضى إلى غرفة عمليات بديلة في أغسطس 2025 تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة، ما أدى إلى مقتل مريضين والسائق والدابة. 

وتعكس هذه الشهادات الظروف التي أجبر فيها تدمير سيارات الإسعاف الفرق الطبية على اللجوء إلى وسائل بدائية لنقل المرضى. 

الأمم المتحدة: انتهاكات خطيرة للقانون الدولي

وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك نتائج التحقيق بأنها مقلقة للغاية، وقال إن الهجمات المتكررة التي طالت المستشفيات والمنشآت الطبية المؤقتة تتوافق مع ما وثقه مكتبه بشأن تدمير مرافق الرعاية الصحية في الفاشر أو إلحاق أضرار جسيمة بها، بما حرم آلاف المدنيين من الخدمات الطبية.

وأكدت الأمم المتحدة أن استهداف المنشآت الطبية والعاملين فيها قد يمثل انتهاكا خطيرا للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جرائم حرب بحسب الظروف والأدلة. وتتمتع المستشفيات والطواقم الطبية بحماية خاصة أثناء النزاعات، ولا تسقط هذه الحماية لمجرد تقديم العلاج للمصابين.

وتكتسب هذه الاتهامات أهمية إضافية مع استمرار الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعدما تحولت الفاشر إلى إحدى أبرز ساحات القتال في دارفور. 

وسبق أن وثقت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق انتهاكات واسعة ارتكبها طرفا النزاع، شملت استهداف المدنيين وتدمير البنية الأساسية الضرورية للحياة. 

وبعد مرور عام على سقوط الفاشر، لا تزال آثار تدمير المنظومة الصحية ماثلة، رغم نشر السلطات المدعومة من الدعم السريع مقاطع مصورة تظهر إعادة فتح بعض المستشفيات. 

وتبقى المساءلة عن الهجمات على المرافق الطبية وحماية المرضى والعاملين فيها اختبارًا أساسيًا لقدرة المجتمع الدولي على الحد من الانتهاكات في السودان، في وقت تتواصل فيه المعارك وتتفاقم الاحتياجات الإنسانية.