قناة السويس تستعيد حركة الملاحة.. قفزة في الإيرادات وعودة شركات الشحن الكبرى
تستعيد قناة السويس تدريجيا جزءا من حركة التجارة البحرية التي خسرتها منذ اندلاع أزمة البحر الأحمر أواخر عام 2023، بعدما بدأت شركات شحن عالمية إعادة مزيد من خدماتها إلى المسار الأقصر بين آسيا وأوروبا.
ويعزز هذا التحول آمال انتعاش إيرادات القناة، ويتيح لشركات النقل تقليص زمن الرحلات وتكاليف تشغيل السفن، لكنه لا يعني انتهاء المخاطر الأمنية أو عودة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الأزمة، وفقا لموقع لويدز ليست إنتليجنس المتخصص في شؤون الشحن البحري.
وأعلنت شركتا ميرسك الدنماركية وهاباج لويد الألمانية في 14 سبتمبر 2026 استئناف أربع خدمات إضافية لنقل الحاويات عبر قناة السويس، ضمن شبكة التعاون «جيميني». وتوسعت الخطوة في قرارات سابقة اتخذتها الشركتان خلال يوليو وأغسطس، مع استمرار تقييم الظروف الأمنية في البحر الأحمر. وأوضحت رويترز أن المسار عبر القناة يوفر اختصارا مقارنة بالدوران حول رأس الرجاء الصالح، الذي لجأت إليه شركات كثيرة بعد هجمات الحوثيين على السفن.
إيرادات القناة تقفز بأكثر من النصف
كشفت بيانات أغسطس عن تحسن ملموس في حركة الملاحة. وعبرت القناة 1358 سفينة خلال الشهر، مقابل 1070 سفينة في أغسطس 2025، بزيادة سنوية بلغت 27%. وارتفعت الحمولة الصافية إلى 68.3 مليون طن، مقارنة بـ45.2 مليون طن، بينما صعدت الإيرادات إلى 567.1 مليون دولار، مقابل 326 مليون دولار قبل عام، بزيادة 56.7%.
وأرجعت منصة «فريت ويفز» المتخصصة في أخبار النقل والشحن البحري هذا التحسن إلى عودة بعض خطوط الحاويات تدريجيا، مع بقاء التعافي غير مكتمل. وأشارت إلى أن زيادة الحمولة تجاوزت نمو عدد السفن، بما يعكس تغيرا في مزيج السفن العابرة وأحجامها.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية للاقتصاد المصري، إذ تمثل رسوم العبور موردا رئيسيا للعملة الأجنبية. لكن المقارنة السنوية وحدها لا تكفي لإثبات استعادة القناة كامل نشاطها السابق؛ إذ تتأثر النتائج بتغير مسارات السفن وحجم التجارة العالمية وطبيعة السفن التي تعود إلى الممر الملاحي.
شركات الشحن تختبر العودة إلى المسار الأقصر
لا تقتصر أهمية عودة السفن على زيادة رسوم العبور؛ فاختصار المسافة بين آسيا وأوروبا يقلل زمن الرحلات واستهلاك الوقود، ويساعد الشركات على تحسين استخدام أساطيلها والالتزام بمواعيد التسليم. وقد انعكست هذه الحسابات على قرارات شركات الشحن الكبرى، التي بدأت إعادة خدمات محددة إلى القناة بدلا من إعلان عودة شاملة لكل رحلاتها.
ورصدت «لويدز ليست» المتخصصة في أخبار الملاحة البحرية ارتفاع حركة عبور قناة السويس خلال سبتمبر 2026 بنسبة 21% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. وسجلت القناة 1228 عملية عبور، بينما بلغت حركة السفن 39% دون مستويات ما قبل أزمة هجمات الحوثيين. وأوضحت الصحيفة أن سفن الحاويات قادت جانبًا رئيسيا من التحسن، مع استمرار تفاوت التعافي بين قطاعات الشحن المختلفة.
انخفاض تكاليف النقل ليس مضمونا
تتيح عودة السفن إلى قناة السويس تقليص زمن الرحلات مقارنة بالالتفاف حول أفريقيا، لكنها لا تضمن وحدها تراجعا عاما في أسعار الشحن. فأسعار النقل تتأثر بالطلب العالمي، وتوافر السفن والحاويات، وأسعار الوقود والتأمين، فضلا عن الاضطرابات الأمنية التي قد تفرض تغيير المسارات في وقت قصير.
وربطت «لويدز ليست» بين عودة مزيد من سفن الحاويات وتراجع أسعار الشحن الفورية على خط آسيا وأوروبا، إذ يتيح استخدام المسار الأقصر تحرير طاقة إضافية في شبكات النقل. لكن الصحيفة أشارت إلى أن حركة الحاويات في سبتمبر، رغم ارتفاعها، ظلت أقل بكثير من مستواها قبل الأزمة؛ إذ بلغت 2.19 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدما، مقابل 5.9 مليون في سبتمبر 2023.
وتعني هذه الفجوة أن السوق لم يستعد توازنه السابق بعد، وأن أثر العودة على تكاليف الشحن سيختلف من خط إلى آخر. كما أن أي تدهور أمني جديد في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب قد يدفع الشركات إلى إعادة سفنها إلى المسار الأطول، بما يعيد زيادة زمن النقل والتكاليف.
التعافي يتقدم لكنه لم يكتمل
تؤكد المؤشرات الحديثة أن قناة السويس استعادت جزءا من جاذبيتها التشغيلية لدى شركات الشحن، لكن العودة ما زالت انتقائية ومرتبطة بتقييم المخاطر. وذكرت «لويدز ليست» أن أكثر من ثلثي طاقة سفن الحاويات على خطوط آسيا وأوروبا ظلت تتجنب البحر الأحمر خلال سبتمبر، رغم توسيع عدد من الشركات خدماتها عبر القناة.
وتضع هذه الصورة أمام مصر فرصة لتعزيز إيرادات القناة مع استعادة مزيد من الخدمات، لكنها تجعل استمرار التحسن رهنا باستقرار الملاحة وقدرة الشركات على التخطيط لرحلاتها بثقة. فزيادة عدد السفن والإيرادات تمثل مؤشرات إيجابية، بينما يتوقف التعافي الكامل على عودة الخطوط الرئيسية بصورة منتظمة واستعادة حجم العبور الذي سبق أزمة البحر الأحمر.