مصر تستفيد من رفع تصنيفها الائتماني مع انخفاض التضخم وتزايد ثقة المستثمرين| عاجل
عززت ترقية وكالة "موديز" التصنيف الائتماني السيادي لمصر فرص تحسن ثقة المستثمرين في الاقتصاد، بعدما أظهرت المؤشرات المالية تراجعا في نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي وارتفاعا في الفائض الأولي، بالتزامن مع جهود احتواء التضخم وتثبيت الاستقرار النقدي، وسط تحديات تفرضها التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة، وفقا لصحيفة ذا ناشيونال.
وتعكس الخطوة تحسنًا في تقييم الوكالة لقدرة الحكومة على إدارة المالية العامة والوفاء بالتزاماتها، لكنها لا تعني انتهاء الضغوط الاقتصادية أو اقتراب مصر تلقائيا من التصنيف الاستثماري، إذ لا تزال البلاد بحاجة إلى مواصلة الإصلاحات وتعزيز موارد النقد الأجنبي وخفض أعباء خدمة الدين.
ترقية ائتمانية تعزز مكانة مصر
كانت وكالة "موديز" قد رفعت التصنيف الائتماني السيادي لمصر من Caa1 إلى B3، مع الإبقاء على نظرة مستقبلية إيجابية، في قرار أخرج البلاد من فئة المخاطر الائتمانية الجوهرية، وإن ظل التصنيف أقل بست درجات من المستوى الاستثماري.
واستندت الوكالة إلى تحسن أداء المالية العامة، وزيادة كفاءة تحصيل الإيرادات، وضبط الإنفاق الحكومي، معتبرة أن استمرار هذه النتائج في ظل ظروف خارجية صعبة يعكس تحسنا في قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.
وجاء القرار بعد تثبيت وكالتي "فيتش" و"ستاندرد آند بورز" تصنيف مصر، بما يعزز أهمية المؤشرات المالية الأخيرة في تقييم الجدارة الائتمانية للبلاد.
الفائض الأولي يدعم جهود خفض الدين
سجلت مصر فائضا أوليا بلغ 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2026، مقابل 3.5% في السنة السابقة و1.6% خلال العام المالي 2022-2023.
وانخفض الفائض إلى 4.1% بعد استبعاد الإيرادات الاستثنائية، وهو ما يوضح استمرار التحسن في الميزان المالي الأساسي، بعيدا عن العائدات غير المتكررة.
وفي الوقت نفسه، تراجعت نسبة الدين الحكومي إلى 81.8% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو الماضي، مقارنة بنحو 95.2% قبل ثلاث سنوات.
ويرتبط هذا التحسن بزيادة الإيرادات العامة وترشيد النفقات وإجراءات إصلاح دعم الطاقة، بينما يتوقف استمرار تراجع الدين على قدرة الحكومة على الحفاظ على الفوائض الأولية وتقليص الفوائد المستحقة على الاقتراض.
مرونة الجنيه تعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات
ساهم الانتقال إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف وتشديد السياسة النقدية في دعم احتياطيات النقد الأجنبي وتحسين قدرة الاقتصاد على التعامل مع التقلبات العالمية.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة مع تعرض الأسواق الإقليمية لضغوط جيوسياسية انعكست على أسعار النفط والغاز وحركة رؤوس الأموال، ما يزيد الحاجة إلى الحفاظ على توافر العملات الأجنبية وتقليل الاعتماد على مصادر التمويل قصيرة الأجل.
لكن استقرار سوق الصرف يظل مرتبطا باستمرار تدفقات النقد الأجنبي وقدرة الاقتصاد على جذب استثمارات مستدامة، إلى جانب ضبط الطلب على العملات الأجنبية.
التضخم يهدد مكاسب التعافي
على الرغم من التحسن المالي، لا تزال الأسعار تمثل أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد المصري، بعدما سجل التضخم 13.9% في سبتمبر 2026، متأثرا بارتفاع تكاليف الطاقة.
وتواجه مصر، بوصفها مستوردا صافيا للطاقة، ضغوطا إضافية مع صعود أسعار النفط والغاز نتيجة الحرب في إيران، وهو ما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لترشيد استهلاك الوقود.
ويتوقع صندوق النقد الدولي بقاء التضخم فوق 13% خلال العام الجاري، قبل ارتفاعه إلى 14.8% في 2027، على أن يتباطأ خلال عامي 2028 و2029.
وفي المقابل، يرجح الصندوق نمو الاقتصاد المصري بنسبة 5.1% خلال 2026 و4.7% في العام التالي، بما يعزز فرص زيادة الإيرادات إذا انعكس النمو على النشاط الاقتصادي والتشغيل والاستثمار.
النظرة الإيجابية تفتح الباب أمام ترقية جديدة
ربطت "موديز" نظرتها المستقبلية الإيجابية بإمكانية انخفاض الدين الحكومي وأعباء الفائدة بوتيرة أسرع من توقعاتها، إذا تحسن النمو الاقتصادي وزادت الإيرادات وتراجعت تكلفة الاقتراض المحلي مع انحسار الضغوط التضخمية.
ويمثل الحفاظ على الانضباط المالي تحديا رئيسيا للحكومة، خصوصا مع اقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي في ديسمبر 2026، إذ ستراقب الأسواق قدرة القاهرة على مواصلة الإصلاحات دون الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي.
وحصلت مصر، إلى جانب برنامج الصندوق، على حزمة دعم أوروبية بقيمة 7.4 مليار يورو للفترة من 2024 إلى 2027، فيما تواصل الحكومة إعادة هيكلة بعض بنود الإنفاق، بما يشمل خفض تكلفة دعم الغذاء التي بلغت نحو 2.75 مليار يورو خلال العام الماضي.
تدفقات المستثمرين تحسم اتجاه التصنيف المقبل
لا تضمن الترقية الائتمانية استمرار التحسن، خاصة مع حساسية السوق المصرية للتطورات الجيوسياسية وتحركات المستثمرين الأجانب.
وقدرت "إي إف جي هيرميس" خروج استثمارات أجنبية تراوحت بين 800 و900 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية.
ويضع هذا التطور استقرار سوق الصرف وجاذبية أدوات الدين المصرية أمام اختبار مستمر، رغم التحسن الذي أظهرته المؤشرات المالية.
وتستفيد مصر من رفع التصنيف عبر احتمال تحسن شروط الاقتراض وزيادة اهتمام المستثمرين بأدوات الدين، لكن ترجمة هذه المكاسب إلى تدفقات مستقرة تتطلب مواصلة خفض التضخم والدين، وتعزيز مصادر النقد الأجنبي، والحفاظ على مسار الإصلاح المالي بعد انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي.