< لماذا تتصاعد أعمال الشغب في فرنسا؟ ماكرون أمام اختبار الأمن والشارع
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

لماذا تتصاعد أعمال الشغب في فرنسا؟ ماكرون أمام اختبار الأمن والشارع

الرئيس نيوز

تواجه فرنسا أزمة أمنية وسياسية متصاعدة بعد تحول احتجاجات على غلاء المعيشة إلى أعمال نهب وتخريب ومٌواجهات عنيفة امتدت إلى مدن عدة، فيما عاد التوتر إلى شوارع باريس مساء أمس الأحد.

ورفض الرئيس إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونييز، رغم إقراره بوجود إخفاقات في الاستعداد الأمني وجمع المعلومات الاستخباراتية، بالتزامن مع تحرك البرلمان لفتح تحقيق في أحداث الشغب وتقييم أداء قوات الأمن، وفقا لتغطية قناة فرانس 24. 

وبحسب أحدث الحصائل الرسمية، أوقفت السلطات 2397 شخصا وأصيب 997 من عناصر الشرطة والدرك، بينهم سبعة في حالة خطرة، في تطورات تضع الحكومة أمام اختبار صعب لاستعادة النظام واحتواء الغضب الشعبي.

استقالة مرفوضة واعتراف بالإخفاقات

قدم وزير الداخلية لوران نونييز استقالته إلى ماكرون أمس الأحد، لكن الرئيس رفضها، مؤكدا ضرورة استمرار القيادة الأمنية في ظل الاضطرابات. وجاءت الخطوة بعدما طالبت شخصيات معارضة، خصوصا من اليمين المتطرف، برحيل الوزير الذي تولى منصبه قبل عام واحد.

أقر  الرئيس ماكرون بوجود إخفاقات في الاستباق وجمع المعلومات الاستخباراتية، وكلف نونييز بكشف أوجه القصور بشفافية، ووضع أساليب عمل جديدة لقوات الأمن على الأرض بصورة عاجلة، بهدف وقف إقامة المتاريس وعمليات النهب. ويعكس القرار تمسك الرئيس بالوزير في الوقت الراهن، مع محاولة احتواء الانتقادات الموجهة إلى الأجهزة الأمنية. 

نصف مليون متظاهر وخسائر ضخمة

شارك نحو 110 آلاف شخص في احتجاجات باريس السبت، مقابل 550 ألفا في مختلف أنحاء البلاد، بحسب الأرقام الرسمية. وأعلنت شرطة العاصمة توقيف 855 شخصا، ووصفت العدد بأنه قياسي، بينما ظل أكثر من 550 شخصا قيد الاحتجاز لدى الشرطة، وفقا للنيابة العامة.

وفي مرسيليا، رصدت السلطات مشاركة أكثر من 30 ألف شخص في أعمال نهب خلال ليلة السبت. وقدر اتحاد التجارة والتوزيع تضرر نحو 1500 تاجر، بخسائر تصل إلى مئات الملايين من اليورو، ما يكشف اتساع التداعيات الاقتصادية للأحداث، التي طالت الممتلكات العامة والخاصة والمنشآت التجارية. 

مواجهات وإصابات ودمار في المدن الفرنسية

عادت وحدة «سي آر إس 8» المتخصصة في مكافحة العنف الحضري إلى محيط ساحة الجمهورية في باريس لليوم الثاني، لتفريق تجمعات غير مرخص بها، وسط تقارير عن نهب متجر ملابس. وفي ليموج، اندلعت النيران في مبنى البلدية وانهار سقفه، في مشهد جسد حجم الدمار الذي خلفته الاضطرابات.

وفي سانت إتيان، فقد متظاهر يده إثر انفجار قنبلة أطلقتها الشرطة، بحسب مصدر مطلع، بينما أخطرت الجهات المختصة بالتحقيق في أداء الشرطة بعد فقدان شابة إحدى عينيها في تولوز. كما أعلنت السلطات وفاة متظاهر في باريس إثر وعكة صحية، من دون صلة بأعمال العنف أو بأي إجراء أمني. وتثير هذه الوقائع تساؤلات بشأن أساليب فض التجمعات ومدى استعداد قوات الأمن للتعامل مع التصعيد. 

ماكرون يتوعد المخربين والمعارضة تصعد

قال ماكرون في كلمة متلفزة إن الفرنسيين يشعرون بالغضب والعار، متعهدا بمحاسبة المشاركين في النهب والتخريب. وأشار إلى إمكانية حظر بعض التجمعات خلال الأيام المقبلة بالتنسيق مع البلديات، فيما أعلن أن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو سيجتمع الاثنين مع الأحزاب والنقابات والبرلمانيين والمسؤولين المحليين.

ووصفت مارين لوبن، زعيمة التجمع الوطني، الأحداث بأنها أزمة عميقة تهدد الديمقراطية، بينما دعا جان لوك ميلانشون، زعيم اليسار الراديكالي، إلى وقف التدهور والاستجابة لمطالب الشباب. محليا، تحدث رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار عن نهب ممنهج طال شوارع بأكملها، فيما أشار مسؤولون محليون إلى نقص الموارد الأمنية وطالبوا بتفسيرات بشأن قدرة المخربين على التحرك.

تحقيق برلماني واختبار سياسي

أعلنت رئيسة الجمعية الوطنية يائيل برون-بيفيه تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في أعمال العنف، تشمل استراتيجية حفظ النظام ومدى كفاية المعلومات الاستخباراتية والموارد المخصصة لحماية الممتلكات.

وامتدت أصداء الأزمة إلى الخارج، إذ ربط الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأحداث بالهجرة في تصريحات سياسية، بينما رأت صحيفة زود دويتشه تسايتونغ الألمانية أن التطورات قد تشكل نقطة تحول.

وتعيد المواجهات إلى الأذهان احتجاجات السترات الصفراء عامي 2018 و2019، وأعمال الشغب التي أعقبت مقتل الشاب نائل عام 2023، والاحتجاجات على إصلاح نظام التقاعد في العام نفسه.

وتواجه الحكومة الآن مسارين متوازيين يتركزان على استعادة الأمن ومحاسبة المسؤولين عن أي إخفاقات، ومعالجة الغضب الاقتصادي والاجتماعي الذي يغذي الاحتجاجات. وسيحدد نجاح الحوار السياسي والتحقيق البرلماني ومراجعة أداء الشرطة قدرة ماكرون على احتواء الأزمة، ومنع تحولها إلى مواجهة سياسية أوسع مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.