< كيف خدع السادات إسرائيل قبل حرب أكتوبر؟ خبير عسكري يكشف التفاصيل
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

كيف خدع السادات إسرائيل قبل حرب أكتوبر؟ خبير عسكري يكشف التفاصيل

 العميد سمير راغب
العميد سمير راغب

أكد العميد سمير راغب، الخبير الاستراتيجي والعسكري، أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات مثّل نموذجًا استثنائيًا في القيادة السياسية والعسكرية، بفضل قدرته على اتخاذ القرارات الحاسمة وإدارة المعارك بالتنسيق مع القيادات العسكرية، إلى جانب توظيف الخداع الاستراتيجي لتحقيق المفاجأة في حرب أكتوبر 1973.

وأوضح راغب أن عبقرية السادات لم تقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل امتدت إلى توظيف الأدوات السياسية والإعلامية في إعداد المسرح الاستراتيجي للمعركة، بما ساعد على إخفاء الاستعدادات المصرية وتقليل توقعات الجانب الإسرائيلي بشأن إمكانية اندلاع الحرب.

وأضاف، خلال حديثه في برنامج «كل الكلام» المذاع على قناة «الشمس»، أن تجربة السادات في حرب أكتوبر تقدم نموذجًا مهمًا لكيفية الجمع بين التخطيط العسكري والتحرك السياسي، مشيرًا إلى أن القرارات التي سبقت الحرب أسهمت في تهيئة الظروف اللازمة لتنفيذ الهجوم وتحقيق عنصر المفاجأة.

الخداع الاستراتيجي للسادات قبل حرب أكتوبر

وأشار الخبير الاستراتيجي والعسكري إلى أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات نجح في بناء صورة سياسية وإعلامية دفعت بعض الدوائر الإسرائيلية والغربية إلى التقليل من احتمالات اتخاذ مصر قرار الحرب. واستند ذلك، وفقًا لراغب، إلى تصريحات وخطابات ومواقف سياسية ساعدت على ترسيخ الانطباع بأن القاهرة لن تقدم على مواجهة عسكرية واسعة في ذلك التوقيت.

وأوضح أن هذه التحركات لم تكن منفصلة عن التخطيط العسكري، وإنما مثّلت جزءًا من منظومة متكاملة لإخفاء الاستعدادات الحقيقية، بحيث لم تكن تفاصيل الخطة متاحة إلا لعدد محدود للغاية من القيادات المعنية، وفي مقدمتهم السادات والمشير أحمد إسماعيل.

ولفت إلى أن سرية التخطيط كانت عنصرًا أساسيًا في إدارة المعركة، إذ إن كشف الاستعدادات مبكرًا كان من الممكن أن يمنح إسرائيل فرصة لاتخاذ إجراءات مضادة تقلل من تأثير الهجوم المصري.

وأضاف أن الخداع الاستراتيجي لا يعتمد فقط على إخفاء المعلومات العسكرية، بل يشمل أيضًا إدارة التصورات لدى الخصم، وتوجيه انتباهه إلى احتمالات أخرى، بما يمنح القوات المسلحة فرصة للتحرك وفق الخطة الموضوعة.

السادات وكيسنجر.. إدارة سياسية لحسابات الحرب

وتطرق العميد سمير راغب إلى اللقاءات التي جمعت الرئيس السادات بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، موضحًا أن تقييم هذه اللقاءات يتطلب النظر إليها في إطار الحسابات السياسية والاستراتيجية التي سبقت حرب أكتوبر وتزامنت معها.

وردًا على الانتقادات التي ترى أن كيسنجر استطاع خداع القيادة المصرية، أشار راغب إلى أن التحركات الدبلوماسية يمكن أن تكون جزءًا من إدارة الصراع، وأن التواصل السياسي لا يعني بالضرورة التخلي عن الخيارات العسكرية أو كشف جميع أوراق التفاوض.

وأوضح أن السادات تعامل مع المشهد الدولي وفق حسابات دقيقة، ساعيًا إلى توصيل رسائل إلى الولايات المتحدة بشأن خطورة استمرار الأوضاع القائمة، وأن غياب الحلول السياسية لن يمنع مصر من التحرك لاستعادة حقوقها.

وتعكس هذه الرؤية أهمية التوازن بين المسارين العسكري والدبلوماسي في إدارة الحروب، إذ لا تتحرك الدول في مثل هذه الظروف اعتمادًا على القوة العسكرية وحدها، وإنما تسعى أيضًا إلى فهم مواقف القوى الكبرى، وتقدير احتمالات تدخلها، وتوظيف العلاقات الدولية بما يخدم أهدافها الاستراتيجية.

تحديات التسليح والوقود خلال حرب أكتوبر

وأكد راغب أن الجيش المصري واجه تحديات عسكرية وتقنية ولوجستية كبيرة خلال حرب أكتوبر، في ظل اختلاف الإمكانات التسليحية والتكنولوجية بين القوات المتحاربة. وأشار إلى استخدام القوات الجوية المصرية طائرات «ميج-21»، إلى جانب أنظمة الدفاع الجوي «سام-2» و«سام-3» و«سام-6»، التي مثّلت عناصر مهمة في بناء منظومة الدفاع الجوي المصرية.

وأوضح أن إدارة المعركة في ظل هذه الظروف تطلبت تخطيطًا دقيقًا للاستفادة من الإمكانات المتاحة، مع الاعتماد على التنسيق بين القوات والأسلحة المختلفة، بما يحقق الأهداف العسكرية ويحد من تأثير التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا.

كما تناول التحديات المرتبطة بإمدادات الوقود والمحروقات، موضحًا أن توفير الاحتياجات اللوجستية للقوات المسلحة كان عنصرًا بالغ الأهمية لاستمرار العمليات العسكرية، نظرًا إلى الاستهلاك الكبير للدبابات والآليات والمعدات.

وفي هذا السياق، أشار راغب إلى الدور الذي أدته التحركات الإقليمية المتعلقة بتوفير الوقود والإمدادات، مستشهدًا بما ذكره عن إرسال شاه إيران سفنًا عبر البحر للمساعدة في توفير الوقود اللازم، وهي رواية تتطلب الرجوع إلى المصادر التاريخية المتخصصة لتحديد تفاصيلها الدقيقة وحجم تأثيرها في العمليات.

دروس استراتيجية من انتصار أكتوبر

وتبرز تصريحات الخبير العسكري أهمية النظر إلى حرب أكتوبر باعتبارها تجربة متكاملة جمعت بين التخطيط العسكري والسرية والخداع الاستراتيجي وإدارة العلاقات الدولية. فنجاح العمليات لا يرتبط فقط بامتلاك الأسلحة، وإنما يتطلب أيضًا تحديد الأهداف بدقة، وتقدير قدرات الخصم، وإدارة الموارد المتاحة، والحفاظ على عنصر المفاجأة.

كما تكشف التجربة عن أهمية التكامل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية، خاصة في الحروب التي تتداخل فيها الحسابات الميدانية مع الضغوط الدولية والاقتصادية.

وتظل حرب أكتوبر 1973 إحدى المحطات المحورية في التاريخ العسكري المصري، بما شهدته من تحولات في موازين المواجهة، وما قدمته من دروس في التخطيط وإدارة الصراع. ويظل دور الرئيس الراحل محمد أنور السادات في اتخاذ قرار الحرب وإدارة المسار السياسي المصاحب لها موضوعًا مهمًا للدراسة والتحليل، لفهم كيفية توظيف الأدوات العسكرية والدبلوماسية لتحقيق الأهداف الوطنية.