< الذكاء الاصطناعي يخدع محبي التاريخ.. صور مزيفة لقطط تتجاهل المساحة الشخصية تنسب إلى مصر القديمة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

الذكاء الاصطناعي يخدع محبي التاريخ.. صور مزيفة لقطط تتجاهل المساحة الشخصية تنسب إلى مصر القديمة

الرئيس نيوز

كان كل ما تحتاجه صورة واحدة لكي تصنع كذبة مقنعة هو الاستناد لحقيقة تاريخية صحيحة. ففي أواخر سبتمبر، انتشرت صورتان على مواقع التواصل الاجتماعي لتمثالين قيل إنهما يعودان إلى مصر القديمة، ويظهر فيهما أشخاص مستلقون بينما تتجول قطط فوق أجسادهم أو تستريح عليها. 

ورافق الصور تعليق ساخر يقول إن "القطط تجلس فوق صدور أصحابها وتقتحم مساحتهم الشخصية منذ 4000 عام"، بينما ظهرت عبارة أخرى تقول إن الأدلة تثبت أن القطط "لم تفهم المساحة الشخصية قط".

لكن التماثيل بتلك الصور المزيفة لم يكن لها وجود قبل عصر الذكاء الاصطناعي. وكشف موقع التحقق الأمريكي "سنوبس" أن الصورتين مولدتان بالذكاء الاصطناعي، بعد أن تواصل مع مدير أحد الحسابات التي نشرتها، وأكد أن صاحب الحساب أنشأهما باستخدام أداة للذكاء الاصطناعي.

كيف انخدعت مواقع التواصل؟

نشر مستخدم على فيسبوك في 29 سبتمبر رسما يجمع الصورتين تحت عبارة "تماثيل عمرها 4000 عام تثبت أن القطط تتجاهل المساحة الشخصية دائما". تبدو الصورة الأولى كنحت خشبي لشخص مستلق أو نائم، بينما تقف قطة أو تمشي فوق بطنه. وتظهر الثانية شخصا ذا شعر طويل مستلقيا على سرير، فيما تستريح قطة فوقه.

لكن قوة الخدعة لم تأت من جودة الصور وحدها، وإنما من السياق الذي وضعها فيه ناشروها، فوجود القطط في الفن المصري القديم حقيقة تاريخية موثقة، ولذلك بدت القصة منطقية للمتلقي الذي يرى تماثيل تبدو قديمة ولا يجد سببا فوريا للشك فيها، لكن الموقع الأمريكي وجد مؤشرات تكشف التزييف، بينها غياب ظل ذيل القطة في إحدى الصور، إضافة إلى مؤشرات أخرى مرتبطة بطريقة إنتاج الصور. 

كما أشار إلى قرينة أكثر أهمية: لو كانت هذه التماثيل الأثرية حقيقية، لكان من المتوقع وجود صور أو إشارات إليها في سجلات المتاحف والكتالوجات والمصادر المتخصصة، خصوصا أن محتوى القطط يحظى بانتشار هائل على الإنترنت. ووفقا للتحقق، لم تظهر الصور في المصادر المتاحة باعتبارها قطعا أثرية حقيقية.

القطط حقيقية.. لكن الصور ليست كذلك

لا يعني سقوط الصور المزيفة أن العلاقة بين مصر القديمة والقطط مختلقة. على العكس، تكشف الآثار المصرية عن حضور واسع للقطط في الحياة اليومية والمعتقدات والفنون والطقوس الجنائزية، ولم يكن المصريون القدماء يعبدون القطط باعتبارها حيوانات في حد ذاتها، لكن بعض الآلهة ارتبطت بصورة القط أو اتخذت هيئة قطط، وفي مقدمتها باستت، كما ارتبطت القطط بحماية المنازل من الأفاعي والعقارب، وظهرت في مشاهد على جدران المقابر.

وفي 2018 أعلنت وزارة الآثار المصرية اكتشاف عشرات القطط المحنطة ونحو 100 تمثال خشبي للقطط وتمثال برونزي للإلهة باستت في سقارة، داخل مجموعة من المقابر التي يعود بعضها إلى نحو 4500 عام، وفقا للإذاعة الوطنية العامة الأمريكية.

وتشير ناشيونال جيوجرافيك إلى انتشار مومياوات القطط في مصر خلال فترة تمتد تقريبا من 600 قبل الميلاد إلى 250 ميلادية، بينما توثق المتاحف العالمية تماثيل أصلية للقطط المصرية، بينها تماثيل مرتبطة بعبادة باستت. وهنا تكمن براعة التضليل عبر حقيقة تاريخية وإضافة مشهد لم يحدث.

مصر القديمة تتحول إلى مادة خصبة للتزييف

ليست صور القطط الحالة الأولى التي يستغل فيها الذكاء الاصطناعي افتتان الجمهور بالحضارة المصرية. ففي نوفمبر 2025، تناولت فرانس 24 صورة قيل إنها "بورتريه فيوم"، وهي اللوحات الجنائزية الواقعية التي كانت توضع على مومياوات في مصر خلال العصر الروماني.

وتبين أن الصورة نشرت في أكتوبر من العام نفسه وأنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، بعدما طلب مستخدم من أداة "ميدجورني" إنتاج بورتريه لرجل يوناني "قديم". وكشفت مقارنة الصورة باللوحات الأصلية عن أخطاء في التفاصيل والأسلوب، رغم أن الصورة بدت للوهلة الأولى شبيهة بالقطع التاريخية.

ويكشف تكرار هذه الحالات عن جاذبية خاصة لمصر القديمة بالنسبة لمحتوى الذكاء الاصطناعي: التماثيل، المومياوات، الهيروغليفية، المعابد والقطط تمنح الخوارزميات عناصر بصرية قوية، وتمنح المستخدم في الوقت نفسه مساحة واسعة لابتكار قصص تبدو وكأنها اكتشافات من الماضي.

المشكلة أكبر من قطط مزيفة

ما يحدث مع الصور الأثرية جزء من تحول أوسع في طبيعة التضليل الرقمي. يقول شايان سرداري زاده، الصحفي في "بي بي سي فيريفاي"، إن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال العام الأخير جعل إنتاج صور ومقاطع تبدو واقعية للغاية أسهل بكثير، وأصبح اكتشافها أكثر صعوبة بالنسبة لغير المتخصصين.

وأشار الموقع الأمريكي إلى أن التزييف يمكن كشفه عبر تشوهات في الحركة أو الصوت أو الظلال أو التفاصيل، لكن هذه العلامات لا تظهر دائما، كما أن أدوات التوليد تتحسن باستمرار. 

وفي حالة القطط المصرية، كان السؤال البسيط كافيا لكشف القصة: أين التمثال؟ في أي متحف؟ ما رقمه في الكتالوج؟ ومن وثقه؟ فالصورة التي قد تبدو أثرية ليست أثرا بالضرورة، ووجود حقيقة تاريخية حول القطط لا يمنح أي صورة جديدة شهادة ميلاد عمرها أربعة آلاف عام.