< من «عام الحسم» إلى يوم العبور.. ماذا فعلت مصر خلال 3 سنوات استعدادًا لحرب أكتوبر؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من «عام الحسم» إلى يوم العبور.. ماذا فعلت مصر خلال 3 سنوات استعدادًا لحرب أكتوبر؟

تعبيرية
تعبيرية

أتاح الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات ملفًا متكاملًا عن الذكرى الـ53 لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة، باللغتين العربية والأجنبية، متضمنًا مواد ومعلومات وبيانات حول الحرب وبطولاتها ودلالاتها، بما يسهم في تقديم صورة مصرية عن هذا الحدث التاريخي إلى الرأي العام في مختلف أنحاء العالم.

ويعزز الملف دور الهيئة العامة للاستعلامات في التعريف بمصر وتاريخها وإنجازاتها من خلال تقديم المعلومات بلغات متعددة، خاصة ما يتعلق بحرب أكتوبر وما ارتبط بها من بطولات واستعدادات عسكرية وسياسية.

وأكدت الهيئة، في الملف الذي أعده مركز الدراسات الإعلامية والسياسية بالهيئة العامة للاستعلامات، أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد معركة عسكرية لتحرير الأرض، وإنما مثلت أيضًا استعادة للكرامة، وبرهانًا على التخطيط المصري الذي امتد من التوجيه السياسي إلى تفاصيل الاستعداد والخداع الاستراتيجي.

ويظل نصر أكتوبر 1973 علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، وشهادة على تضحيات رجال القوات المسلحة الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن، ليصبح السادس من أكتوبر رمزًا للعزة والمجد والكرامة، ومصدر فخر للمصريين والعرب.

مقدمات حرب أكتوبر 1973.. من قرار الحسم إلى الاستعداد للمعركة

رصد ملف الهيئة العامة للاستعلامات تفاصيل المرحلة التي سبقت حرب أكتوبر، بداية من الاستعدادات السياسية والعسكرية، مرورًا بإعادة بناء القوات المسلحة، وصولًا إلى التجهيزات الهندسية والفنية، والتنسيق السياسي والدبلوماسي الذي سبق قرار الحرب.

السياق السياسي من 1970 إلى 1973

وفاة جمال عبد الناصر وصعود أنور السادات

في 28 سبتمبر 1970، توفي الرئيس جمال عبد الناصر، وانتُخب نائبه محمد أنور السادات رئيسًا لمصر في 15 أكتوبر 1970.

ومع تولي السادات الرئاسة، اتجهت الدولة المصرية إلى الاستعداد لاستعادة الأراضي التي فقدتها في حرب 1967، وأعلن الرئيس في أكثر من مناسبة عن ضرورة الاستعداد للحسم العسكري.

ومن أبرز المحطات التي رصدها الملف:

22 يونيو 1971: إعلان أن عام 1971 هو «عام الحسم».

24 أكتوبر 1972: كلمة السادات أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والتي أوضح خلالها ضرورة تجهيز القوات المسلحة لدخول الحرب.

القرار المصري السوري المشترك عام 1973

شهد عام 1973 خطوة حاسمة باتجاه الحرب، بعدما قرر الرئيس المصري أنور السادات والرئيس السوري حافظ الأسد اللجوء إلى الخيار العسكري لاسترداد الأراضي التي فقدتها مصر وسوريا خلال حرب 1967.

وفي 10 يناير 1973، عيّن مجلس اتحاد الجمهوريات العربية الفريق أول أحمد إسماعيل علي قائدًا عامًا للقوات الاتحادية.

وفي 22 و23 أغسطس 1973، عقد اجتماع سري في الإسكندرية بين القادة العسكريين السوريين، برئاسة مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري، والقادة العسكريين المصريين برئاسة أحمد إسماعيل علي.

وهدف الاجتماع إلى تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية السورية، الذي ضم 13 قائدًا، للنظر في الموضوعات العسكرية المشتركة والتوصل إلى الاتفاق النهائي بشأن موعد الحرب.

وفي 28 و29 أغسطس 1973، اجتمع الرئيس السادات مع الرئيس حافظ الأسد في دمشق، حيث تم الاتفاق على أن يكون 6 أكتوبر 1973 موعدًا لبدء الحرب.

الاستعدادات الشاملة لحرب أكتوبر

إعادة بناء القوات المسلحة

شهدت الفترة السابقة لحرب أكتوبر عملية واسعة لإعادة بناء القوات المسلحة ورفع كفاءتها القتالية، مع الاستفادة من الخبرات التي اكتسبتها خلال حرب الاستنزاف 1967–1970 باعتبارها مرحلة مهمة للتدريب والاستعداد.

وشملت الاستعدادات بناء حائط الصواريخ لتعزيز الدفاع الجوي، إلى جانب تأهيل المقاتل عسكريًا ونفسيًا، وإعادة تنظيم أفرع القوات المسلحة، بما في ذلك القوات الجوية والبحرية والبرية والدفاع الجوي.

كما جرى العمل على رفع مستوى الكفاءة القتالية والاستعداد لتنفيذ المهام المطلوبة خلال الحرب.

تهيئة الجبهة الداخلية

لم تقتصر الاستعدادات على القوات المسلحة، وإنما امتدت إلى الجبهة الداخلية، حيث جرى توجيه موارد الدولة لدعم المجهود الحربي، مع توفير مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والوقود والأدوية.

كما جرى تدريب منظمات الدفاع المدني والمقاومة الشعبية استعدادًا للتعامل مع أي طوارئ محتملة خلال فترة الحرب.

الخداع الاستراتيجي قبل حرب أكتوبر

كان الخداع الاستراتيجي العسكري والسياسي أحد أبرز عناصر خطة الاستعداد للحرب، حيث عملت القيادة العامة للقوات المسلحة، بإشراف المشير أحمد إسماعيل، على إيهام أجهزة المخابرات العالمية بعدم قدرة مصر على تنفيذ هجوم واسع.

وشملت إجراءات الخداع الإعلان عن فتح باب العمرة للضباط، وتسريح دفعات من الجنود بشكل علني، إلى جانب شراء مضخات مياه تحت مبرر استخدامها في إطفاء الحرائق، بينما كانت مخصصة لاستخدامها في تجريف الساتر الترابي لخط بارليف.

كما جرى تسريب معلومات كاذبة بشأن نقص الذخيرة وضعف الجاهزية العسكرية، ضمن خطة هدفت إلى إخفاء الاستعدادات الحقيقية للحرب.

التجهيز الهندسي لعبور قناة السويس

كان للتجهيز الهندسي والفني دور أساسي في تنفيذ خطة العبور، ومن أبرز الأفكار التي ارتبطت بهذه المرحلة فكرة اللواء باقي زكي يوسف، باستخدام مضخات المياه عالية الضغط، بطاقة تصل إلى 1500 متر مكعب في الساعة، لتجريف الساتر الترابي لخط بارليف.

ووفق ما تضمنه الملف، ساعدت هذه الطريقة في فتح 60 ثغرة داخل الساتر الترابي لتمكين الآليات الثقيلة من العبور.

وخلال نحو 8 ساعات، تم فتح 60 ممرًا في الساتر، إلى جانب إنشاء 8 كباري ثقيلة و4 كباري خفيفة، وتشغيل 30 معدية، ضمن الاستعدادات الهندسية التي سبقت عملية العبور.

التنسيق السياسي والدبلوماسي

امتدت الاستعدادات إلى الجانب السياسي والدبلوماسي، من خلال التنسيق بين الجبهتين المصرية والسورية، في إطار القيادة والتنسيق المشترك بين الرئيسين أنور السادات وحافظ الأسد.

كما ارتبطت مرحلة الحرب بتفعيل ما عُرف بـ**«سلاح النفط العربي»** كأداة ضغط دولية، بعدما أعلنت دول عربية حظر تصدير النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل.

وبذلك جمعت الاستعدادات لحرب أكتوبر بين التخطيط السياسي والعسكري، وإعادة بناء القوات المسلحة، والتجهيز الهندسي، والخداع الاستراتيجي، وتهيئة الجبهة الداخلية والتنسيق العربي، وهي عناصر شكلت جانبًا مهمًا من الطريق الذي سبق معركة العبور في السادس من أكتوبر 1973.