< قبل ساعات من القرار.. هل تبدأ حرب دبلوماسية بين بريطانيا وإسرائيل؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

قبل ساعات من القرار.. هل تبدأ حرب دبلوماسية بين بريطانيا وإسرائيل؟

بريطانيا وإسرائيل
بريطانيا وإسرائيل

تقترب العلاقات البريطانية الإسرائيلية من واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ عقود، بعدما أصبحت القنصلية البريطانية في القدس الشرقية محور مواجهة دبلوماسية مفتوحة بين لندن وتل أبيب. 

وكانت إسرائيل قد أمرت بإغلاق القنصلية خلال 30 يومًا، فيما تنتهي المهلة الخميس 8 أكتوبر، بينما تدرس بريطانيا ردًا مقابلًا قد يصل إلى طرد عدد مماثل من الدبلوماسيين الإسرائيليين من أراضيها، وفقًا لصحيفة «إيفننج ستار» البريطانية.

ووفقًا للصحيفة، رجحت أربعة مصادر مطلعة أن ترد لندن بطرد دبلوماسيين إسرائيليين إذا نفذت إسرائيل قرار إغلاق القنصلية. وتضم القنصلية البريطانية نحو 30 دبلوماسيًا وأفراد أسرهم، بينما أفادت تقارير إسرائيلية بأن بريطانيا قد تطرد 27 دبلوماسيًا إسرائيليًا، بواقع دبلوماسي مقابل كل دبلوماسي بريطاني يفقد وضعه الدبلوماسي في القدس، دون أن تؤكد الحكومة البريطانية هذا الرقم رسميًا.

قنصلية عمرها قرنان في دائرة الصدام

بدأت الأزمة في 8 سبتمبر، عندما قررت إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ردًا على إجراءات بريطانية استهدفت المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ولم يستهدف القرار الإسرائيلي السفارة البريطانية في تل أبيب، وإنما بعثة لها طبيعة مختلفة وتاريخ يمتد إلى ما يقرب من قرنين.

وتعمل القنصلية الموجودة في حي الشيخ جراح منذ نحو 200 عام، أي قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948، وتتولى التعامل مع الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب تقديم خدمات قنصلية للفلسطينيين. ولذلك فإن إغلاقها لا يمثل مجرد تغيير إداري في توزيع الموظفين البريطانيين، بل يمس إحدى القنوات الرئيسية التي تستخدمها لندن للتعامل المباشر مع الفلسطينيين.

المستوطنات أشعلت المواجهة

جاءت الشرارة المباشرة للأزمة من قرار بريطاني بفرض حظر تجاري على سلع تنتجها المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب إجراءات تستهدف شركات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني.

وبررت لندن موقفها بأن السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالتوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين تقوض فرص إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وانضمت فرنسا وكندا إلى إجراءات مرتبطة بالمستوطنات، لكن إسرائيل اختارت الرد على بريطانيا بإغلاق القنصلية وفرض إجراءات أخرى على مسؤولين بريطانيين.

وفي المقابل، اتهمت إسرائيل الحكومة البريطانية بالتدخل في شؤونها الداخلية، وربط وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بين الخطوة البريطانية والانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر، في وقت تدخل فيه العلاقات بين الطرفين مرحلة شديدة الحساسية.

مبعوث لندن فشل في إنقاذ القنصلية

لم تنتظر بريطانيا انتهاء المهلة من دون محاولة احتواء الأزمة، إذ كشفت وكالة رويترز أن مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول زار إسرائيل سرًا الأسبوع الماضي، والتقى مسؤولين إسرائيليين في محاولة لإقناعهم بالتراجع عن قرار إغلاق القنصلية.

لكن المحادثات لم تسفر عن اتفاق، رغم استمرار الاتصالات بين الجانبين. كما طلبت لندن من دول أوروبية أخرى إثارة القضية مع الحكومة الإسرائيلية، في محاولة للضغط باتجاه إبقاء القنصلية مفتوحة.

وقال مصدر خامس لرويترز إن بريطانيا ما زالت تأمل التوصل إلى تسوية، لكن وزارة الخارجية الإسرائيلية أبلغت الوكالة بأن القنصلية ستغلق الخميس.

27 دبلوماسيًا في مرمى الرد البريطاني

إذا نفذت إسرائيل قرار الإغلاق وأُخرج الدبلوماسيون البريطانيون من القدس، فإن لندن ستواجه خيارًا شديد الحساسية يتمثل في الرد بالمثل. وبحسب تقارير نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، أبلغ السفير البريطاني لدى إسرائيل سايمون والترز مسؤولين إسرائيليين بأن لندن قد تطرد 27 دبلوماسيًا إسرائيليًا من السفارة الإسرائيلية في بريطانيا.

وتقوم الفكرة على معادلة واضحة، وهي طرد دبلوماسي إسرائيلي مقابل كل دبلوماسي بريطاني يتضرر من إغلاق القنصلية. لكن بعض الصحف البريطانية، مثل «الإندبندنت»، كانت أكثر تحفظًا في توصيف الرقم، وقالت إن بريطانيا من المرجح أن تطرد عددًا مماثلًا من العاملين في السفارة الإسرائيلية، من دون تأكيد أن العدد سيكون 27 تحديدًا.

وبذلك يبقى رقم 27 في إطار السيناريو المطروح، وليس قرارًا بريطانيًا نهائيًا معلنًا.

من الخلاف السياسي إلى أزمة التمثيل الدبلوماسي

لا تكمن خطورة التصعيد في عدد الدبلوماسيين وحده، إذ إن طرد هذا العدد الكبير دفعة واحدة سيعني انتقال الخلاف من العقوبات والبيانات السياسية إلى إجراءات تمس صميم العلاقة الدبلوماسية بين البلدين.

وتزداد حساسية المسألة لأن القنصلية البريطانية في القدس الشرقية لا تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها السفارة في تل أبيب، فهي قناة مستقلة للتعامل مع الفلسطينيين، بينما ترى لندن أن وجودها جزء من سياستها تجاه القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

كما شكك مسؤولون قانونيون بريطانيون سابقون في حق إسرائيل في إغلاق القنصلية، مشيرين إلى وضع القدس الشرقية والأراضي الفلسطينية المحتلة، وإلى أن القنصلية ليست بعثة دبلوماسية معتمدة لدى الحكومة الإسرائيلية بالمعنى التقليدي.

اختبار جديد لعلاقات تاريخية

تقول صحيفة «الجارديان» إن مسار التصعيد قد يدفع العلاقات البريطانية الإسرائيلية إلى أدنى مستوى لها منذ قيام إسرائيل، بينما وصفت رويترز الأزمة بأنها تدهور جديد في علاقة كانت لسنوات وثيقة بين البلدين.

وقد يحسم القرار المنتظر في القدس خلال الساعات المقبلة اتجاه الأزمة، إذ إن إغلاق القنصلية سيضع لندن أمام رد دبلوماسي صعب، بينما يمكن أن يؤدي التراجع الإسرائيلي إلى تجنيب الطرفين مواجهة كانت تتجه نحو مرحلة غير مسبوقة.

وفي الحالتين، أصبحت قنصلية عمرها نحو قرنين ورقة ضغط في نزاع يتجاوز مبناها وموظفيها، ليمس شكل العلاقات البريطانية الإسرائيلية نفسها، وحدود الدور البريطاني في القدس والأراضي الفلسطينية.