«من رصاص بغداد إلى لقاء الغفران».. قصة جندي أمريكي وعائلة عراقية فقدت 3 من أفرادها تتحول إلى فيلم بعد 23 عامًا
بعد 23 عامًا على غزو العراق، يعود إلى الشاشة لقاء نادر بين جندي أمريكي سابق وعائلة عراقية أرمنية فقدت ثلاثة من أفرادها في بغداد، من خلال فيلم «الصفح» (Atonement)، وهو أول أعمال المخرج ريد فان دايك الروائية الطويلة.
وعُرض الفيلم في مهرجان تورونتو السينمائي، فيما يتوسع عرضه في دور السينما الأمريكية خلال الشهر الجاري، وفقًا لمجلة «تايم» الأمريكية.
وذكرت مجلة “تايم” أن القصة حقيقية، وأبطالها حقيقيون، وقد وثقتها مجلة «ذا نيويوركر» عام 2012 قبل أن تصل إلى السينما بعد أكثر من عقد.
رصاصات في أبريل 2003
كانت ثلاثة أجيال من عائلة أرمنية مسيحية تقود سياراتها عائدة إلى منزلها ببغداد في أبريل 2003، حين أطلق مشاة البحرية الأمريكية النار عليها خلال اشتباك مع قوات عراقية، فقتل ثلاثة رجال.
وبحسب مجلة «تايم»، هم جيمس رب الأسرة وولداه نيكولاس وإدموند، فيما أصيبت ابنته نورا في كتفها، ونجت زوجته مارجريت.
رسالة على فيسبوك
في مارس 2012 راسل الجندي السابق لو لوبيلو الصحفي ديكستر فيلكنز عبر فيسبوك، بعد عقد من محاولات الوصول إليه، وكان لوبيلو يعاني اضطراب ما بعد الصدمة، تطارده ذكرى أن وحدته قتلت مدنيين في ذلك اليوم.
وكان فيلكنز قد كتب عن العائلة في العراق ثم انقطع عنها، بينما وجدها لوبيلو بنفسه عبر فيسبوك، فطلب منه أن يتوسط للقاء.
يوم سبت في جلينديل
عُقد اللقاء في يوليو 2012 بمنزل العائلة في غلينديل بولاية كاليفورنيا، حيث دخل لوبيلو متوترًا، ثم انخرط في البكاء فور رؤيته مارغريت ونورا، فما كان من مارغريت إلا أن ربّتت على ظهره.
وقالت العائلة، في مقال نشرته مجلة «نيويوركر» ونقلته «تايم»، إن إيمانها يأمرها بالغفران. وكان الحوار مشحونًا بالمشاعر، وانتهى من دون حسم نهائي؛ إذ مُنح الغفران، لكن النسيان ظل مستحيلًا، ولم تختفِ المرارة بالكامل. وبعد أيام، راسلت نورا لوبيلو قائلة إنها شعرت بأنه أصبح أخًا ثالثًا لها وابنًا ثالثًا لأمها.
من 12 صفحة إلى فيلم كامل
قرأ فان دايك المقال عام 2012، وبكى معظم الوقت أثناء قراءته، وحين اتسعت فرصه المهنية عاد إلى النسخة التي احتفظ بها من المقال، وبدأ العمل على تحويل قصته إلى فيلم.
وكان التحدي الأكبر أمامه هو تحويل تحقيق صحفي من 12 صفحة إلى فيلم مدته ساعتان، فزار بغداد برفقة مدير تصويره، وتحدث إلى جنود أمريكيين سابقين ومدنيين عراقيين، كما استعان بعدد من الأفلام الوثائقية، من بينها «Homeland: Iraq Year Zero» للمخرج عباس فاضل، ومع مرور الوقت، أصبح قريبًا من عائلة كاتشادوريان، حتى إنه اعتاد تناول العشاء معهم بانتظام.
عراقيون في قلب الكادر
قال المخرج إن الشخصيات العراقية في أفلام الحرب الغربية ترى عادة من خلال منظار قناص أو في الخلفية، وإنه أراد قلب هذا المنظور.
تؤدي هيام عباس دور مريم، وتقول إنها استعانت بتجربتها كأم وكامرأة فلسطينية نشأت وسط الحروب، ويؤدي بويد هولبروك دور الجندي، وكينيث برانا دور الصحفي بديل فيلكنز، وقد غُيّرت أسماء الشخصيات، ويقول هولبروك: «هذه الرصاصة تسير في الاتجاهين».
يقدم الفيلم وصول الجنود من منظور سكان الحي، ناقلا أجواء المراحل الأولى من الاحتلال، ولا يكتفي بتصوير العنف الهامشي أو ساحة المعركة.
جملة غيرت السيناريو
خلال إحدى زيارات فان دايك، قالت مارغريت إنها ترى أحيانا في لوبيلو ابنها المفقود، وأحيانًا الرجل الذي أخذه منها، فدخلت الجملة الفيلم، وجعلته يحمل الرؤيتين معًا، ويقول المخرج إن ندرة فرص التكفير في الحروب هي ما يميز هذه القصة.
استقبال نقدي متوازن
وصف برانا اللقاء المركزي في الفيلم بأنه فعل مؤثر على نحو استثنائي، وأشاد باستعداد الطرفين للحوار دون حل واضح، ورأى موقع «إنديواير» أن الفيلم ذو أثر عاطفي قوي، وأشاد بأداء عباس.
أما موقع روجر إيبرت فقال إنه فيلم جيد بمشاهد رائعة، لكنه اعتبره فرصة لم تُستثمر بالكامل.
يعرض فيلم «الصفح» في صالات محدودة منذ 2 أكتوبر، ويتوسع في 9 أكتوبر، ويرى فان دايك أن في جلوس أشخاص من طرفين متقابلين في الحرب معا، ومنح أحدهم الآخر فرصة الاعتذار، قوة نادرة، وأمام القصة سؤال لا يحسمه الفيلم ولا مقال 2012: هل يمكن للغفران أن يمحو ما حدث؟ الإجابة التي تقدمها الحكاية الحقيقية أن الغفران لا يمحو الفقد، لكنه يفتح بابا للحوار.