بعد 217 عامًا من الغموض.. الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة سرية لنابليون بونابرت
خرجت رسالة سرية أمر نابليون بونابرت بإرسالها إلى أحد أبرز جنرالاته من ظلمات الأرشيف، بعدما نجح باحث أمريكي في إعادة بناء نصها باستخدام الذكاء الاصطناعي خلال ست ساعات، في تجربة تكشف قدرة التقنيات الحديثة على إعادة قراءة وثائق تاريخية عجز الباحثون عن استكمال نصوصها على مدار عقود، وفقًا لشبكة «يورونيوز».
يعود تاريخ الرسالة إلى مارس 1809، عندما كان نابليون يستعد لمواجهة النمسا مجددا، فيما كان الجنرال أوغست دي مارمون يقود قوات فرنسية في دالماسيا، بعيدا عن مركز العمليات الفرنسية، ولضمان وصول المعلومات العسكرية الحساسة، استخدم نابليون نظامًا معقدًا للتشفير جعل قراءة الرسالة مهمة شاقة استمرت آثارها حتى القرن الحادي والعشرين.
1300 رمز تخفي رسالة نابليون
لم تكن الرسالة محفوظة في شكلها الأصلي، وإنما بقيت نسخة مطبوعة ظهرت في مجلة "Revue historique des Armées" الفرنسية عام 1969.
وتضم الوثيقة نحو 1300 وحدة تشفير، تجمع بين أرقام من خانتين وحروف وأحرف يونانية وعلامات مرسومة باليد، في تركيبة جعلت فكها أكثر تعقيدًا من أنظمة الاستبدال التقليدية.
اعتمد نابليون على نظام تتغير فيه الرموز المستخدمة للحرف الواحد، ما يعني أن الرمز نفسه لا يؤدي بالضرورة إلى الحرف ذاته في كل موضع. لذلك، لم يكن تحليل تكرار الرموز بالطريقة التقليدية كافيا للوصول إلى النص الأصلي.
وكان المؤرخ الفرنسي دانيال تانت قد تمكن خلال أبحاثه من تحديد 33 قيمة مشفرة، وهو إنجاز فتح نافذة على النظام المستخدم، لكنه لم يؤد إلى إعادة بناء الرسالة كاملة.
رسالة من الإمبراطور إلى جنرال محاصر
جاءت الرسالة في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الإمبراطورية الفرنسية، ففي فبراير 1809، كانت النمسا قد اتخذت قرارًا بالتحرك عسكريًا ضد فرنسا، بينما كان مارمون يقود نحو 13 ألف جندي في دالماسيا، في منطقة تفصلها أراض تسيطر عليها قوات معادية عن بقية الجيوش الفرنسية.
وفي 16 مارس، كتب نابليون إلى ربيبه ونائبه في إيطاليا، أوجين دي بوهارنيه، طالبا منه إبلاغ مارمون بالمعلومات العسكرية عبر رسالة مشفرة يحملها ضابط وصفه نابليون بأنه "ذكي"، واحتوت الرسالة على تقديرات لتحركات القوات الأوروبية في واحدة من أكثر مراحل الحروب النابليونية حساسية.
ماذا أخفت الشفرة لمدة 217 عاما؟
بحسب إعادة بناء النص، تضمنت الرسالة معلومات عن انتشار عشرات الآلاف من الجنود البافاريين قرب ميونيخ وباساو، وقوات بولندية على نهر الفيستولا تهدد كراكوف، إضافة إلى تحركات مرتبطة بالجيش الساكسوني قرب دريسدن.
كما تناولت الرسالة تحركات القوات الروسية والنمساوية، ووجه نابليون رسائل طمأنة إلى مارمون، داعيًا إياه إلى عدم المبالغة في تقدير قوة بعض القوات التي يمكن أن تواجهها قواته.
وتكشف هذه التفاصيل قيمة الرسالة التاريخية؛ فهي لا تقدم فقط نموذجا لنظام تشفير عسكري من عصر نابليون، وإنما تمنح الباحثين نافذة مباشرة على طريقة تفكير القيادة الفرنسية وتقييمها لخريطة القوى الأوروبية عشية واحدة من أكبر مواجهات الحروب النابليونية.
الذكاء الاصطناعي في غرفة الشفرة
وتعامل كارتر تشرش، مهندس في مجال الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، مع الرسالة باعتبارها مشكلة يمكن تفكيكها عبر الجمع بين قراءة الرموز والتحليل اللغوي والمقارنة التاريخية.
وبحسب الروايات المنشورة عن التجربة، استعان تشرش بنموذج ذكاء اصطناعي لقراءة الرموز الموجودة في النسخة المصورة، ثم اختبار الاحتمالات المختلفة للحروف والكلمات الفرنسية، ومقارنتها بالسياق العسكري المعروف عن تلك الفترة وبالمعلومات الواردة في مذكرات مارمون ومصادر تاريخية أخرى.
واستغرقت العملية نحو ست ساعات للوصول إلى قراءة كاملة للنص، في تحول لافت من محاولة التعامل مع كل رمز بصورة منفردة إلى استخدام قدرة النموذج على اكتشاف الأنماط والعلاقات بين أجزاء النص.
وتشير الروايات المنشورة إلى أن الباحث ساتوشي توموكيو راجع النتيجة واعتبر الشفرة محلولة، فيما نشر تشرش سجلا لتجربته يتضمن جداول المفاتيح والخطوات المستخدمة في إعادة بناء النص.
هل هزم الذكاء الاصطناعي الباحثين؟
لم يتجاهل الباحثون الرسالة طوال 217 عامًا، كما أن دانيال تانت تمكن من فك جزء معتبر من النظام المستخدم فيها. لكن المحاولات السابقة لم تصل إلى نشر قراءة كاملة للنص.
وتشير يورونيوز إلى أن باحثين عملوا على الرسالة خلال عقود، بينما يرى تشرش أن فكها كان ممكنا من الناحية النظرية من دون الذكاء الاصطناعي، لكن الوصول إلى النتيجة كان سيتطلب وقتا وجهدا كبيرين. لهذا تبدو أهمية التجربة في السرعة بقدر ما تكمن في النتيجة نفسها.
فقد حوّل الذكاء الاصطناعي عملية كانت تحتاج إلى خبرة تاريخية ولغوية وتشفيرية طويلة إلى سلسلة اختبارات مكثفة أمكن إنجازها خلال ساعات.
مارمون.. من رسالة مشفرة إلى مارشال
كان مارمون من المقربين إلى نابليون، ووصلت قواته إلى الدانوب في الوقت المناسب للمشاركة في اليوم الثاني من معركة فاغرام عام 1809، وهي واحدة من أكبر معارك الحروب النابليونية.
وبعد المعركة، حصل مارمون على رتبة مارشال الإمبراطورية، قبل أن تنقلب علاقته بالإمبراطور لاحقا مع تراجع قوة نابليون. وفي 1814، ومع اقتراب قوات الحلفاء من باريس، تفاوض مارمون مع خصوم نابليون وسلم قواته، في خطوة ارتبطت بأحداث أدت إلى تنازل نابليون عن العرش لاحقا.