< من التوقيع إلى الاختبار.. ماذا يفعل تحالف مكة في مواجهة تهديدات المنطقة؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من التوقيع إلى الاختبار.. ماذا يفعل تحالف مكة في مواجهة تهديدات المنطقة؟

الرئيس نيوز

تحولت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان خلال أسابيع قليلة من إعلان سياسي إلى إطار أمني بدأ يختبر قدرته على التنسيق في مواجهة تهديدات إقليمية متصاعدة، بعدما اجتمع قادة أركان الدول الثلاث في الرياض لبحث سبل دعم المملكة، بالتزامن مع هجمات حوثية استهدفت أراضيها ومنشآتها المدنية والاقتصادية. ويأتي التحرك في وقت تتشابك فيه أزمات البحر الأحمر واليمن وإيران وممرات الطاقة، وفقا لصحيفة يني شفق التركية.

ولدت الاتفاقية في مكة

وقع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس، ونص الإعلان الرسمي على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما على الدول الأخرى، مع تعزيز جوانب التعاون الدفاعي والأمني والردع الجماعي. وجاء توقيع الاتفاق في قصر الصفا بمكة، وسط توترات إقليمية واسعة وتداعيات مباشرة على أمن الخليج والملاحة. وتشبه آلية الدفاع الجماعي الواردة في الاتفاق، من حيث المبدأ، المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي. وفق وكالة الأناضول.

من التوقيع إلى بناء مؤسسة

لم تتوقف الدول الثلاث عند الإعلان السياسي. ففي 31 أغسطس اجتمعت اللجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية الأولى في إسطنبول، واتفق المشاركون على إنشاء أمانة عامة في السعودية، على أن يتولى أمين عام باكستاني قيادتها في المرحلة الأولى لمدة ثلاث سنوات، مع العمل على رفع قدرات الدفاع الجماعي وتعزيز تماسك القوات المسلحة. وأعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لاحقا تسمية الترتيب الجديد تحالف مكة للدفاع.

السعودية في قلب الاختبار

برزت أهمية الاتفاق مع تصاعد الهجمات المنسوبة إلى الحوثيين في اليمن على السعودية. وقال فيدان إن أنقرة مستعدة للمساعدة في تلبية الاحتياجات العسكرية السعودية في إطار الاتفاق، بينما أكدت باكستان التزامها بأمن المملكة، فيما أوضحت إسلام آباد أن استجابة عسكرية محددة لم تكن مطروحة في الاتصالات الأولى. ويكشف ذلك أن الاتفاق لا يعني تلقائيا دخول قوات الدول الثلاث في كل مواجهة، بل يفتح إطارا للتشاور وتحديد طبيعة المساعدة وفقا للتهديد والاحتياجات والقرارات السياسية وفق رويترز.

قادة الجيوش يجتمعون في الرياض

في 25 سبتمبر اجتمع رئيس الأركان التركي الجنرال سلجوق بيرقدار أوغلو والمشير الباكستاني عاصم منير ورئيس هيئة الأركان السعودي الفريق أول فياض الرويلي في الرياض، في اجتماع ارتبط مباشرة ببحث آليات دعم المملكة في مواجهة الهجمات القادمة من اليمن. وجاء اللقاء بعد مشاورات لوزراء خارجية الدول الثلاث في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أدانوا الهجمات التي استهدفت مكة والمنشآت المدنية والاقتصادية السعودية. ولم يعلن عقب الاجتماع عن عملية عسكرية مشتركة أو قرار بنشر قوات.

هل يتوسع التحالف؟

فتح المسؤولون الأتراك الباب أمام انضمام دول أخرى، بينما قال رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش إن الاتفاق قد يتطور إلى إطار أوسع للأمن في العالم الإسلامي، وذكر إيران ضمن الدول المحتملة. وشدد في الوقت نفسه على أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها. وتحتاج أي عملية توسع إلى ترتيبات قانونية ومؤسسية وموافقة الدول الأعضاء. ومن المقرر أن تعرض الاتفاقية للتصديق البرلماني في تركيا عند استئناف عمل البرلمان. 

يمنح دخول تركيا إلى الاتفاق بعدا عسكريا وصناعيا مهما، إذ تمتلك أنقرة قطاعا دفاعيا متناميا يشمل الطائرات المسيرة وأنظمة الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والصناعات البحرية والذخائر. وقال فيدان إن بلاده مستعدة لتلبية الاحتياجات العسكرية السعودية، فيما تركز المباحثات على مجالات فنية ودفاعية يمكن أن تعزز قدرة المملكة على التعامل مع التهديدات الجوية والصاروخية. ولا يعني ذلك إعلان صفقة عسكرية محددة.

باكستان تضيف عمقا استراتيجيا

أما باكستان فتمنح التحالف ثقلا عسكريا مختلفا، بحكم امتلاكها جيشا كبيرا وخبرة طويلة في بيئة أمنية معقدة، فضلا عن علاقاتها الدفاعية التاريخية مع السعودية. وتولت إسلام آباد موقع الأمين العام الأول للأمانة الجديدة، في إشارة إلى دور مؤسسي يتجاوز المشاركة الرمزية. وتحافظ باكستان على قنوات اتصال مع إيران.

المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان تحالف مكة سيبقى اتفاقا للتنسيق السياسي والعسكري أم يتحول إلى منظومة دفاع جماعي أكثر تفصيلا. فالمؤسسات الدائمة، وتبادل المعلومات، والتدريبات، والتعاون الصناعي، وتحديد إجراءات طلب المساعدة، كلها عناصر تحتاج إلى قواعد واضحة. واستمرار الهجمات على السعودية يضع الاتفاق أمام اختبار مبكر لطبيعة الدعم.

ومع دخول الاتفاق مرحلة التنفيذ، تبرز مكة والرياض وإسطنبول وإسلام آباد كمراكز لمسار أمني جديد، بينما تراقب دول الخليج وتركيا وباكستان وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل انعكاساته. وما يتشكل حاليا ليس حلفا عسكريا مكتمل الأركان بعد، بل بنية دفاعية ناشئة تحاول تحويل التقارب السياسي بين ثلاث قوى إقليمية إلى آلية عملية للردع والتنسيق.