< الاختبار الأصعب.. هل تنجح مصر في تحويل اكتشافات الذهب إلى إنتاج؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

الاختبار الأصعب.. هل تنجح مصر في تحويل اكتشافات الذهب إلى إنتاج؟

الرئيس نيوز

بعد نحو 6 سنوات من إعادة صياغة قواعد الاستثمار في قطاع التعدين، بدأت استراتيجية مصر لجذب رؤوس الأموال إلى الذهب والمعادن الأخرى تظهر نتائجها على الأرض، مع إعلان شركات محلية وأجنبية خططا لاستثمار مئات الملايين من الدولارات في عمليات الاستكشاف، وسط سباق متسارع للعثور على احتياطيات قادرة على دعم مناجم تجارية جديدة.

وتزامن هذا التحرك مع صعود أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة عالميا، إذ تجاوز المعدن النفيس 5 آلاف دولار للأوقية خلال العام الحالي للمرة الأولى، ما عزز اهتمام المستثمرين بالاستكشاف في مصر، التي توصف بأنها من أكثر المناطق الواعدة والأقل استكشافا في أفريقيا من الناحية التعدينية، وفقا لصحيفة سويتان الجنوب أفريقية.

قانون جديد 

تعود نقطة التحول الأساسية إلى إصلاحات قانون التعدين التي أجرتها مصر قبل نحو ست سنوات، عندما ألغت الحكومة نظام اقتسام الإنتاج، إلى جانب قواعد أخرى كانت تمثل عائقا أمام المستثمرين الدوليين، بهدف جعل عمليات التنقيب أكثر جاذبية وتسريع تحويل الثروات المعدنية الموجودة في الصحراء إلى إنتاج فعلي.

وتراهن  مصر على امتلاك موارد معدنية كبيرة لم تدخل بعد في دائرة الإنتاج التجاري، لكن شركات عاملة في القطاع ترى أن الوصول إلى مستويات إنتاج مماثلة لكبار منتجي الذهب في أفريقيا يتطلب معالجة مشكلات ما زالت تضغط على النشاط، وفي مقدمتها التعدين غير القانوني والتأخر البيروقراطي وصعوبة الوصول إلى بعض مناطق الامتياز.

ويقول فينسنت موريل، مدير شركة «أخ جولد» في مصر، إن زيادة التمويل تعني إمكانية تنفيذ عمليات حفر أكثر، لكنه يحذر في الوقت نفسه من ضخ الأموال دون حساب دقيق للنتائج. وتمثل الشركة مشروعا تدعمه مجموعة يقودها رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس.

اكتشافات جديدة في الصحراء الشرقية

أحرزت «أخ جولد» اكتشافات واعدة داخل إحدى مناطق الامتياز في الصحراء الشرقية، بينما تواصل عمليات الاستكشاف في منطقتين أخريين. وتقع هذه المناطق ضمن الدرع الجيولوجي العربي النوبي، وهو تكوين صخري غني بالمعادن يمتد حول البحر الأحمر ويتجه جنوبا إلى السودان وإريتريا وإثيوبيا.

لكن عمليات التنقيب تواجه في بعض المناطق مشكلة التعدين غير القانوني، الذي منع الشركات من الوصول إلى أجزاء من مناطق الامتياز. وتبرز هذه المشكلة كأحد الاختبارات الرئيسية أمام توسع النشاط، لأن شركات التعدين تحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح بتنفيذ برامج الحفر والمسح الجيولوجي على مدى سنوات قبل الوصول إلى قرار الاستثمار في المناجم والمنشآت الإنتاجية.

السكري يقود الإنتاج

يمتد تاريخ استخراج الذهب في مصر إلى عصر الفراعنة، لكن الإنتاج الحديث يتركز بصورة أساسية في منجم السكري، وهو منجم مفتوح وتحت الأرض يقع جنوب غرب مدينة مرسى علم على ساحل البحر الأحمر.

وتدير المنجم حاليا شركة «أنجلو جولد أشانتي» الجنوب أفريقية، بعدما استحوذت في عام 2024 على شركة «سنتامين». وبلغ إنتاج السكري أكثر من 6.8 مليون أوقية منذ بدء عملياته، بينما يدور إنتاجه الحالي حول 500 ألف أوقية من الذهب سنويا.

وتريد الحكومة المصرية رفع إنتاج الذهب إلى 800 ألف أوقية سنويا بحلول 2030، مع زيادة مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6%، مقارنة بأقل من 1% حاليا. ويعتمد تحقيق هذه المستهدفات بدرجة كبيرة على قدرة الشركات الجديدة على إثبات وجود احتياطيات أكبر وتحويل الاكتشافات الجيولوجية إلى عمليات إنتاج تجارية.

شركات جديدة تدخل السباق

تظهر مؤشرات التوسع في عدة مشروعات. فقد أعلنت شركة «أبو مروات لمناجم الذهب» اعتزامها بدء الإنتاج التجاري العام المقبل من امتياز يحتوي على احتياطيات تقدر بنحو 150 ألف أوقية من الذهب. والشركة مشروع مشترك بين هيئة التعدين المصرية وشركة «أتون ريسورسز» الكندية.

وتواصل الشركة أعمال الاستكشاف بهدف رفع الاحتياطيات إلى مليوني أوقية، وهو ما يمكن أن يغير حجم المشروع ويدعم خطط التوسع في الإنتاج مستقبلا، وفقا لرويترز.

وفي الجنوب الشرقي، حددت شركة «آفاق للتعدين» المصرية احتياطيا يقدر بنحو 305 آلاف أوقية في امتياز غرب جبل علبة، وتخطط لاستثمار نحو 146 مليون دولار خلال السنوات الأربع أو الخمس المقبلة في عمليات استكشاف إضافية وإنشاء منشأة إنتاج أولية.

200 مليون دولار من السعودية

دخلت شركات أجنبية أخرى على خط المنافسة. فقد بدأت شركة «ريد سي ريسورسز» الكندية عمليات الحفر في منطقتين من أصل ثلاث مناطق امتياز حصلت عليها، بينما حددت شركة «لوتس جولد» التابعة لشركة «أونجوي مينيرالز» الكندية مؤشرات واعدة في مناطق استكشاف تمتد على نحو ألفي كيلومتر مربع.

كما تخطط شركة «سعودي جولد ريفاينري» السعودية لاستثمار 10 ملايين دولار في عمليات الاستكشاف خلال العامين المقبلين، مع توقعات بضخ نحو 200 مليون دولار في مصر بحلول 2030 تشمل تطوير المناجم ومنشآت الإنتاج.

وتعكس هذه الخطط اتساع دائرة المستثمرين المشاركين في قطاع التعدين المصري، من شركات محلية مدعومة برؤوس أموال مصرية إلى شركات كندية وسعودية، بالتزامن مع ارتفاع قيمة الذهب عالميا.

الاختبار الحقيقي يبدأ بالحفر

ارتفاع أسعار الذهب يمنح قطاع التعدين المصري دفعة قوية، لكنه لا يحسم وحده معركة تحويل الإمكانات الجيولوجية إلى إنتاج. فعمليات الحفر والاستكشاف تستنزف مبالغ كبيرة قبل التأكد من حجم الاحتياطي وقابليته للاستخراج التجاري.

ولهذا تركز الشركات الجديدة على توسيع عمليات الحفر واختيار الأهداف الأكثر احتمالا قبل ضخ استثمارات أكبر في البنية التحتية والمناجم. وبينما تستهدف القاهرة مضاعفة الإنتاج خلال السنوات المقبلة ورفع مساهمة التعدين في الاقتصاد، فإن نجاح هذه الخطة يرتبط بقدرة الإصلاحات القانونية على جذب مزيد من رؤوس الأموال، وبسرعة منح التراخيص، وتأمين مناطق الامتياز، وتقليص التعدين غير القانوني، وتحويل الاكتشافات الجديدة إلى مناجم منتجة.

وتشير الاستثمارات المعلنة والاكتشافات المتتالية إلى أن سباق الذهب المصري دخل مرحلة مختلفة، بعدما انتقلت شركات جديدة من مرحلة الحصول على تراخيص الاستكشاف إلى الحفر وتقدير الاحتياطيات والتخطيط للإنتاج التجاري، بينما تدفع أسعار الذهب القياسية المستثمرين إلى تكثيف البحث عن الثروة المدفونة في صحراء مصر.