هل تعود أزمة الحبوب إلى الواجهة من بوابة البحر الأسود؟
تتسع المخاطر التي تهدد أسواق الغذاء العالمية مع تصاعد الهجمات على موانئ البحر الأسود، في وقت تواجه فيه تجارة القمح والحبوب اضطرابات تضيف ضغوطا جديدة إلى سوق الطاقة والنقل. وتمثل روسيا وأوكرانيا معا أكثر من ربع تجارة القمح العالمية، فيما يتوقع أن تهبط صادراتهما المشتركة خلال موسم يوليو إلى سبتمبر إلى نحو نصف مستوى العام السابق، وفقا لبلومبرج.
البحر الأسود في مرمى النيران
يمثل البحر الأسود شريانا رئيسيا لتجارة الحبوب العالمية، وتعتمد روسيا عليه في تصدير أكثر من 70% من حبوبها. وأدت الهجمات على الموانئ ومحطات الحبوب والصوامع والسفن إلى تعطيل حركة الشحن، بينما رفعت الهجمات على البنية التحتية للطاقة الروسية تكاليف الديزل والنقل، ما يضيف فاتورة جديدة إلى تكلفة وصول الحبوب للأسواق.
ولا تقتصر أهمية موسكو وكييف على القمح؛ فالبلدان يستحوذان معا على نحو ثلثي التجارة العالمية لزيت عباد الشمس، كما تمثل صادراتهما قرابة عُشر شحنات الذرة العالمية، ما يجعل اضطراب الملاحة في البحر الأسود تهديدا لسلة واسعة من السلع الغذائية.
مصر تراقب البحر الأسود
تأتي مصر في مقدمة الدول المعرضة لتداعيات أي اضطراب طويل في إمدادات البحر الأسود، باعتبارها من أكبر مستوردي القمح عالميا. وتوفر روسيا وأوكرانيا نحو نصف واردات القمح المصرية، بينما يعتمد نحو ثلثي الأسر المستحقة للدعم على الخبز المدعم.
وتحاول القاهرة تقليل أثر اضطراب الواردات من خلال المحصول المحلي والمخزونات الحكومية. فقد ساعد الموسم المحلي الجيد على خفض الاحتياجات الاستيرادية، فيما تكفي المخزونات الحكومية احتياجات الخبز المدعم حتى فبراير. لكن ارتفاع أسعار الدقيق وتكاليف الاستيراد يبقي السوق المصرية شديدة الحساسية لأي ارتفاع جديد في أسعار القمح العالمية، وفقا لبلومبرج.
تركيا تعود إلى واجهة أزمة الحبوب
وسط هذا المشهد، تتحرك تركيا لإحياء دورها في تأمين ممرات الحبوب عبر البحر الأسود، بعدما لعبت أنقرة دورا محوريا في اتفاق تصدير الحبوب الذي سمح بخروج ملايين الأطنان من المنتجات الزراعية الأوكرانية عبر الموانئ المطلة على البحر الأسود.
وتسعى تركيا إلى التوصل إلى ترتيبات جديدة تضمن استمرار تدفق الحبوب، في وقت تحدث فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن ضرورة استقرار إمدادات الغذاء، بينما حث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوتين على الحفاظ على تدفق القمح إلى الأسواق.
وتكتسب التحركات التركية أهمية خاصة لأن أي اتفاق جديد لن يكون مرتبطا بأوكرانيا وروسيا وحدهما؛ فاستقرار البحر الأسود يؤثر مباشرة في مصر وتركيا ودول الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا التي تعتمد على الحبوب الروسية والأوكرانية.
أوديسا تواجه اختناق التصدير
تواجه أوكرانيا أزمة أكثر تعقيدا، إذ كانت الموانئ المحيطة بأوديسا مسؤولة عن نحو 90% من صادرات الحبوب الأوكرانية، بينما توفر الشحنات الزراعية أكثر من نصف إيرادات صادرات البلاد.
ومع استمرار الهجمات، تتراكم الحبوب داخل البلاد، فيما تقترب طاقات التخزين من حدودها. وتوجد نحو 80 سفينة مرتبطة بموانئ الدانوب، لكن انخفاض مستويات المياه يحد من قدرة رومانيا على استقبال المزيد من الشحنات.
أما النقل عبر الحدود مع الاتحاد الأوروبي، فلا يستطيع تعويض الموانئ البحرية بسهولة؛ إذ يمكن للسكك الحديدية نقل نحو 180 عربة حبوب يوميا، بما يعادل قرابة 10 آلاف طن، وهي كمية تقل كثيرا عن الطاقة التي توفرها موانئ أوديسا، وفقا لبلومبرج.
فيتنام تبحث عن البديل
وتكشف فيتنام جانبا آخر من الأزمة. فقد تعثرت 4 شحنات قمح من منطقة البحر الأسود كانت مخصصة لشركة جولدن ويت، وتعادل الكمية نحو خُمس احتياجات الشركة السنوية. واضطرت الشركة إلى البحث عن بدائل من بلغاريا والولايات المتحدة، مع تحمل تكاليف أعلى.
وتحاول دول أخرى مثل فرنسا ورومانيا وأستراليا والأرجنتين والهند زيادة إمداداتها لتعويض النقص المحتمل، لكن ارتفاع الطلب على البدائل يرفع تكلفة الشحن ويضغط على الأسعار.
الأسعار تفتح جبهة جديدة
وصلت أسعار القمح إلى أعلى مستوى في نحو 3 سنوات مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات، في وقت تواجه فيه مناطق إنتاج أخرى ضغوط الجفاف وموجات الحر. وتراجعت الأسعار لاحقا مع تجدد الآمال في ترتيبات سياسية تسمح بعودة حركة التجارة، لكن المخاطر المرتبطة بموانئ البحر الأسود لا تزال حاضرة.
وتحذر تقديرات السوق من أن استمرار الاضطرابات قد يمتد تأثيره إلى موسم زراعة 2027، إذ يمكن أن تؤثر حالة عدم اليقين في قرارات المزارعين ومساحات الزراعة، ما يضيف ضغطا جديدا على المعروض العالمي.
من هرمز إلى البحر الأسود
تتقاطع أزمة البحر الأسود مع مخاطر اضطراب طرق الطاقة والشحن في مناطق أخرى، لتكشف هشاشة سلاسل الإمداد العالمية أمام الصدمات الجيوسياسية. فكل تأخير في ميناء روسي أو أوكراني يرفع تكلفة الحبوب، وكل مسار بديل يحتاج إلى سفن ومسافات أطول، بينما تتحمل الدول المستوردة في النهاية فاتورة البحث عن الإمداد الآمن.