< من الين إلى الذهب واليوان.. لماذا يبحث العالم عن بدائل للدولار الآن؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من الين إلى الذهب واليوان.. لماذا يبحث العالم عن بدائل للدولار الآن؟

الرئيس نيوز

يتحول البحث عن بدائل للدولار من مجرد نقاش مالي إلى ملف استراتيجي يمتد إلى أسواق الديون والتجارة والاحتياطيات وحركة رؤوس الأموال. وتكشف اضطرابات الين الياباني إحدى أكثر حلقات هذا التحول حساسية، في ظل إعادة الحكومات والمستثمرين حساب مخاطر الاعتماد الكبير على العملة الأمريكية.

ولا يعني هذا التحول أن الولايات المتحدة فقدت أدواتها المالية أو أن الدولار يقترب من السقوط، بل يعكس توجه أطراف متزايدة نحو تنويع الاحتياطيات وتقليل التعرض للصدمات المالية والجيوسياسية التي يمكن أن تنتقل عبر أسعار الفائدة وسوق السندات ونظام المدفوعات.

- فجوة أسعار الفائدة تضغط على الين

ساهمت فروق أسعار الفائدة في دعم صفقات التداول المعروفة باسم Carry Trade، والتي تعتمد على الاقتراض بعملات منخفضة الفائدة والاستثمار في أصول ذات عوائد أعلى.

ومع تغير السياسة النقدية اليابانية وارتفاع تكلفة التمويل بالين، تزداد مخاطر فك هذه المراكز وإعادة الأموال إلى اليابان، وهو ما يمكن أن ينعكس على أسواق العملات والأصول عالميًا.

- أزمة الين تكشف ترابط الأسواق

شهد الين اضطرابات حادة خلال 2026، ودفع تراجعه إلى مستويات ضعيفة السلطات اليابانية إلى التحرك لدعم العملة.

وفي 31 يوليو 2026، نفذت وزارة الخزانة الأمريكية تدخلًا نادرًا في سوق الين بالتنسيق مع اليابان، بعدما وصل الين إلى أضعف مستوى أمام الدولار منذ عقود، في خطوة عكست درجة الترابط بين أسواق العملات والسندات الأمريكية والآسيوية.

- سندات الخزانة الأمريكية تحت المراقبة

أثارت الضغوط على اليابان وأسواق العملات تساؤلات حول حيازاتها الكبيرة من سندات الخزانة الأمريكية، إذ يمكن لأي تحرك واسع في هذه الحيازات أن يؤثر في المعروض بالسوق وأسعار السندات والعوائد.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الدولار وسوق الخزانة الأمريكية يمثلان جزءًا أساسيًا من النظام المالي العالمي، فيما يمكن لتحركات كبار حائزي الأصول الدولارية أن تنتقل آثارها إلى أسواق أخرى.

- الدين الأمريكي يزيد حساسية المستثمرين

يُعد ارتفاع الدين والعجز الأمريكيين من العوامل التي تضع مسار المالية العامة تحت مراقبة المستثمرين.

وكلما زادت احتياجات الخزانة الأمريكية إلى التمويل، ازدادت أهمية استمرار الطلب العالمي على السندات المقومة بالدولار، خصوصًا من جانب المؤسسات المالية والبنوك المركزية الأجنبية.

- العقوبات تدفع إلى البحث عن قنوات بديلة

أدى استخدام البنية المالية الأمريكية في تطبيق العقوبات إلى دفع بعض الدول إلى البحث عن قنوات دفع وتسوية بديلة تكون أقل تعرضًا للقيود الأمريكية، خصوصًا في التجارة الثنائية.

ولا يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الدولار، لكنه يضيف دافعًا جيوسياسيًا إلى دوافع تنويع العملات المستخدمة في التجارة والاحتياطيات.

- الذهب يعزز مكانته كأصل احتياطي

ارتفعت أهمية الذهب في احتياطيات البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بمشتريات رسمية وارتفاع أسعار المعدن.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الذهب أصبح في 2025 متجاوزًا سندات الخزانة الأمريكية من حيث القيمة ضمن الاحتياطيات الرسمية، لكن الصندوق أوضح أن هذا التطور تأثر بدرجة كبيرة بارتفاع سعر الذهب، وليس فقط بزيادة الكميات المحتفظ بها.

- الصين توسع استخدام اليوان

تعمل الصين على توسيع استخدام اليوان في التجارة والتمويل الدوليين، مستفيدة من حجم اقتصادها وشبكة علاقاتها التجارية.

وكلما اتسعت التجارة المقومة باليوان، تزداد الحاجة إلى بنية مصرفية وتمويلية وتسويات عابرة للحدود بهذه العملة، بما يدعم حضورها في النظام المالي الدولي.

وتظهر بيانات بنك التسويات الدولية أن اليوان بلغت حصته 8.5% من إجمالي تداولات سوق الصرف الأجنبي في أبريل 2025، مقابل 7% في 2022.

- العملات المحلية تقلل الاعتماد على الدولار

تسعى بعض الاقتصادات إلى زيادة استخدام العملات المحلية في التسويات التجارية، بما يقلل الحاجة إلى المرور بالدولار في بعض المعاملات الثنائية.

وتزداد أهمية هذا الاتجاه عندما تكون العلاقات التجارية بين دولتين كبيرة، إذ يمكن للتسوية بالعملات المحلية أن تقلل بعض تكاليف التحويل ومخاطر تقلبات العملة الثالثة.

- بريكس يبحث عن أدوات دفع وتسوية بديلة

تدفع دول بريكس باتجاه زيادة استخدام العملات المحلية وتطوير أدوات دفع وتسوية بديلة، إلا أن ذلك لا يعني وجود عملة موحدة جاهزة لتحل محل الدولار.

وتظل الفوارق بين اقتصادات دول المجموعة، إلى جانب اختلاف السياسات النقدية وعمق الأسواق المالية، من العوامل التي تجعل إنشاء بديل موحد قادر على منافسة النظام الدولاري مهمة معقدة.

- أوروبا تبحث عن استقلال مالي أكبر

تسعى أوروبا إلى تعزيز قدرتها على إدارة البنية المالية والمدفوعات بصورة أكثر استقلالًا، مع استمرار النقاش حول دور اليورو والتقنيات المالية الجديدة.

ويختلف الدافع الأوروبي عن المسار الصيني، إذ يرتبط أيضًا بقدرة المؤسسات الأوروبية على إدارة المدفوعات والتمويل في بيئة دولية تتزايد فيها المنافسة على البنية المالية.

- تنويع الاحتياطيات لمواجهة مخاطر التركيز

يمثل الاعتماد الكبير على عملة واحدة نوعًا من تركيز المخاطر بالنسبة للبنوك المركزية والمؤسسات المالية.

ولهذا يمكن لتنويع الاحتياطيات بين الدولار والذهب واليورو واليوان وغيرها من الأصول أن يمنح صانعي السياسة مساحة أكبر للتعامل مع تقلبات أسعار الصرف والفائدة والأزمات المالية.

- اليوان يصعد في سوق العملات العالمية

أظهرت بيانات بنك التسويات الدولية أن اليوان ارتفعت حصته إلى 8.5% من تداولات سوق الصرف الأجنبي في أبريل 2025، ليصبح من بين العملات الأكثر تداولًا عالميًا.

ويعكس ذلك توسع الدور الدولي للعملة الصينية، رغم استمرار الفجوة الكبيرة بينها وبين الدولار من حيث الاستخدام العالمي والسيولة وعمق الأسواق المالية.

- البديل ليس عملة واحدة

المسار العالمي الحالي لا يشير بالضرورة إلى استبدال الدولار بعملة واحدة، وإنما إلى ظهور شبكة أوسع من البدائل تشمل الذهب واليوان واليورو والعملات المحلية وأدوات التسوية الجديدة.

وبالتالي، قد يكون التحول الأهم هو تنويع النظام المالي العالمي بدلًا من الانتقال المباشر من هيمنة عملة واحدة إلى هيمنة عملة أخرى.

- إعادة تسعير المخاطر عالميًا

يتمثل العامل الأهم في تغير طريقة حساب المؤسسات لمخاطر الاحتفاظ بالأصول والعملات.

فالمؤسسة التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الدولار تستطيع الآن التفكير في مزيج أوسع من الأصول، ليس بالضرورة بهدف القطيعة مع العملة الأمريكية، وإنما للتحوط من تغيرات أسعار الفائدة وتقلبات أسواق الصرف والمخاطر الجيوسياسية.

الدولار لا يزال في موقع مركزي

رغم اتساع البحث عن البدائل، لا تزال البيانات تؤكد استمرار الدور المركزي للدولار في النظام المالي العالمي.

فوفق أحدث بيانات صندوق النقد الدولي، بلغت حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية 57.13% في الربع الأول من 2026، مقابل 56.42% في الربع السابق. كما ظل الدولار على أحد جانبي 89.2% من معاملات سوق الصرف الأجنبي عالميًا في أبريل 2025 وفق بنك التسويات الدولية.

وتشير هذه الأرقام إلى أن سباق البدائل يتسع، لكنه لا يعني انتهاء الدور المركزي للدولار. فالمشهد الحالي أقرب إلى تنويع تدريجي لمصادر الاحتياطيات وأدوات الدفع والتمويل، مع استمرار الدولار في احتلال موقع رئيسي داخل النظام المالي العالمي.