< «ملف الحدود البحرية».. لماذا تراقب القاهرة تحركات السودان والسعودية في البحر الأحمر؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

«ملف الحدود البحرية».. لماذا تراقب القاهرة تحركات السودان والسعودية في البحر الأحمر؟

أرشيفية
أرشيفية

بعد نحو نصف قرن من الجمود، عاد ملف الحدود البحرية بين السودان والسعودية إلى الواجهة في توقيت بالغ الحساسية، بينما تخوض الخرطوم حربًا أنهكت مؤسسات الدولة وأغرقت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وفي وقت تتحرك فيه الخرطوم والرياض لإعادة فتح ملف ترسيم الحدود البحرية، تتابع القاهرة التطورات عن كثب، باعتبارها دولة ساحلية رئيسية على البحر الأحمر وجارة مباشرة للسودان، فضلًا عن ارتباط أي تغيير في خرائط المنطقة بملفات حدودية وأمنية واقتصادية شديدة الحساسية، وفقًا لتحليل نشرته مجلة «يورو ريبورتر» المتخصصة في الشؤون الجيوسياسية، ومقرها بروكسل.

خرائط قديمة على طاولة الترسيم

في سبتمبر، عقدت لجنة مالية واستثمارية منبثقة عن مجلس التعاون الاستراتيجي السوداني-السعودي اجتماعًا لبحث عدد من الملفات الاقتصادية والاستثمارية، قبل أن تمتد المناقشات إلى الوثائق والخرائط التاريخية المرتبطة بالحدود البحرية في البحر الأحمر.

وجرى تشكيل فريق فني لإعداد خطة لترسيم الحدود، بالتنسيق مع الموانئ السعودية، في خطوة تعيد ملفًا ظل عالقًا منذ سبعينيات القرن الماضي إلى دائرة الاهتمام الرسمي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع المنطقة محل بحث الترسيم، التي تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والاستراتيجية والأمنية، وتقع ضمن أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.

حلايب.. الملف الأكثر حساسية

بالنسبة إلى مصر، لا يتعلق الأمر بخطوط بحرية على الخرائط فقط، فأي ترتيبات جديدة قد تتقاطع مع ملف مثلث حلايب، إلى جانب حقوق استغلال الموارد الموجودة في قاع البحر الأحمر، ومستقبل الترتيبات الأمنية الخاصة بالملاحة البحرية الممتدة نحو قناة السويس.

وتزداد حساسية الملف مع ما أوردته تقارير صحفية عن خرائط تتعلق بوضع حلايب، وهو ما قد يعيد القضية إلى الواجهة إذا تحولت الحدود البحرية إلى ورقة ضمن ترتيبات أوسع بين الخرطوم والرياض.

كنوز معدنية في قاع البحر الأحمر

لكن الحدود البحرية لا تتعلق بالسيادة والممرات المائية وحدها، فهناك ثروة معدنية ضخمة تختبئ تحت مياه البحر الأحمر.

فمنذ ستينيات القرن الماضي، كشفت عمليات البحث الجيولوجي عن رواسب غنية بالزنك والنحاس والفضة والذهب في قاع البحر الأحمر، ويبرز بينها موقع "أطلانتس الثاني" الواقع بين جدة وبورتسودان، والذي يعد من أكبر الرواسب المعروفة عالميا من هذا النوع.

وسبق أن وقعت السعودية والسودان اتفاقية عام 1974 لاستغلال الموارد المعدنية في المنطقة بصورة مشتركة، قبل أن يعود التعاون بين البلدين بشأن هذه الثروة إلى الواجهة عام 2019.

وتشير تقديرات بحثية ألمانية إلى أن الإيرادات المحتملة من استغلال موقع "أطلانتس الثاني" قد تتراوح، بالقيمة الحالية، بين 3.1 و8.2 مليار دولار، بما يمنح ملف الحدود البحرية بعدا اقتصاديا مباشرا، إلى جانب أبعاده السياسية والأمنية.

قناة السويس في قلب الحسابات

وتراقب القاهرة أي ترتيبات جديدة في البحر الأحمر من زاوية أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بأمن الملاحة وقناة السويس.

فاضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب خلال العامين الماضيين تسببت في خسائر كبيرة لقناة السويس، مع تراجع حركة السفن وتحول جزء من التجارة العالمية إلى مسارات بديلة بسبب المخاطر الأمنية في المنطقة.

وفي هذا السياق، فإن أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية جديدة على الساحل السوداني يمكن أن تكون لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على البيئة الاستراتيجية المحيطة بقناة السويس، خصوصا مع استمرار الاضطرابات على الجانب الآخر من البحر الأحمر.

وأكدت القاهرة والرياض في مناسبات سابقة أن أمن السودان واستقراره يرتبطان بأمن البلدين، وهو ما يجعل التطورات على الساحل السوداني جزءا من حسابات أمنية أوسع تتجاوز مسألة الحدود نفسها.

القاهرة والخرطوم والرياض.. ملف يتجاوز الخرائط

لم يكن ملف الحدود البحرية بين السودان والسعودية بعيدا عن الحسابات المصرية في السابق. ففي أكتوبر 2025، طلب السودان تأجيل التوقيع النهائي على ترتيبات مع السعودية إلى حين إجراء مشاورات مع القاهرة، وفقا لما أوردته تقارير صحفية.

ويكشف ذلك أن ملف البحر الأحمر لا يتحرك في فراغ سياسي، بل يقع عند تقاطع مصالح ثلاث دول تربطها حدود برية وبحرية، ومصالح اقتصادية، واعتبارات أمنية مرتبطة بالملاحة والطاقة والثروات الطبيعية.

وبينما تتحرك الخرطوم والرياض لإعادة تنشيط ملف ظل مجمدا لعقود، تبدو القاهرة معنية بأن تتم أي ترتيبات جديدة في البحر الأحمر مع مراعاة الملفات التي تمس حدودها وأمنها ومصالحها الاقتصادية.