انتخابات إسرائيل.. الحرب تعيد تشكيل الخريطة السياسية ونتنياهو أمام اختبار جديد
تدخل إسرائيل انتخابات 27 أكتوبر المقبل في واحدة من أكثر اللحظات السياسية تعقيدا منذ سنوات، بعدما جاءت الحرب في غزة وحرب لبنان والصراع مع إيران لتعيد رسم حسابات الأمن والسياسة والاقتصاد، وللمرة الأولى منذ 1988، يصل الكنيست إلى نهاية ولايته في موعده، لتصبح الانتخابات اختبارا مزدوجا يتمثل في مستقبل بنيامين نتنياهو، وقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج ائتلاف حاكم مستقر بعد سنوات من الانقسام، وفقا لمجلة يورآسيا ريفيو المتخصصة في الشؤون الجيوسياسية.
الليكود يفقد صدارته
تكمن إحدى أبرز مفارقات الانتخابات في أن حزب الليكود لم يعد يحتفظ بالصدارة التي اعتادها خلال عهد نتنياهو. وتشير استطلاعات سبتمبر إلى تقدم حزب "يشار" بزعامة جادي أيزنكوت في عدد من القياسات، بينما يتراوح الليكود في استطلاعات أخرى بين نحو 18 و22 مقعدا. وأظهر استطلاع حديث أوردته "تايمز أوف إسرائيل" حصول "يشار" على 23 مقعدا مقابل 21 لليكود، مع استمرار عدم حسم المعسكرين المتنافسين لعتبة الـ61 مقعدا اللازمة لتشكيل حكومة.
لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى حذر؛ فالفارق بين المعسكرين يظل ضيقا، وبعض الأحزاب الصغيرة تتحرك قرب نسبة الحسم البالغة 3.25%، ما يجعل تغييرا محدودا في أصواتها قادرا على التأثير في توزيع المقاعد.
أيزنكوت.. تحد جديد لنتنياهو
يبرز جادي أيزنكوت، رئيس الأركان السابق، باعتباره أحد أهم وجوه المنافسة الجديدة. وقد أسس حزب "يشار" وطرح ضمن برنامجه تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر، إلى جانب إصلاحات مؤسسية وقواعد أكثر وضوحا للعمل السياسي.
وتشير استطلاعات الرأي المتعلقة بالشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة إلى تقارب بين أيزنكوت ونتنياهو، إذ أظهر قياس أجري في سبتمبر حصول أيزنكوت على 39% مقابل 36% لنتنياهو، مع هامش خطأ يبلغ 4.2%.
لكن تقدم حزب أو مرشح في الاستطلاعات لا يعني تلقائيا قدرته على تشكيل الحكومة، لأن النظام الانتخابي الإسرائيلي يقوم على التمثيل النسبي، فيما تحتاج الحكومة إلى ائتلاف قادر على جمع 61 مقعدا.
نفتالي بينيت.. ورقة يصعب تجاهلها
في قلب الحسابات يظهر نفتالي بينيت، الذي يخوض الانتخابات ضمن تحالف "معا" مع يائير لابيد. ويملك بينيت قاعدة سياسية تجمع بين قطاعات من اليمين والوسط، ما يجعله طرفا مهما في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة.
وتكشف التطورات الأخيرة أن المعسكر المناهض لنتنياهو ليس كتلة سياسية متجانسة؛ فإلى جانب أيزنكوت وبينيت، توجد أحزاب بقيادة أفيجدور ليبرمان ويائير جولان، بينما تستمر الخلافات حول الشخصية التي يمكن أن تقود أي حكومة بديلة. وقد رصدت "لوموند" هذه الخلافات باعتبارها أحد أبرز تحديات المعارضة قبل الانتخابات. وقد لا يكون السؤال فقط من يتصدر نتائج الانتخابات، بل من يستطيع جمع الأطراف المختلفة داخل ائتلاف واحد بعد إعلان النتائج.
أزمة الثقة تتجاوز نتنياهو
تحمل الانتخابات أيضا إرث 7 أكتوبر، وما تبعه من نقاش حول المسؤولية السياسية والأمنية. ويطالب أيزنكوت وقوى معارضة أخرى بلجنة تحقيق رسمية، بينما يواجه نتنياهو ضغوطا سياسية متواصلة بشأن إدارة الحرب والقرارات التي سبقت الهجوم.
وفي الوقت نفسه، ظلت قضية تجنيد اليهود الحريديم في الجيش نقطة توتر داخل الائتلاف الحاكم، وأدت الخلافات حول مشروع التجنيد إلى أزمات متكررة بين الحكومة والأحزاب الدينية. وهذه الملفات تجعل الانتخابات أوسع من منافسة تقليدية بين أحزاب؛ فهي تتعلق بأسئلة عن شكل الدولة، والعلاقة بين المؤسسة السياسية والقضاء، وتقاسم أعباء الخدمة العسكرية، وحدود سلطة رئيس الحكومة.
ما بعد نتنياهو.. هل تتغير السياسة؟
حتى في حال تغير رئيس الحكومة، لن تختفي تلقائيا الملفات التي صنعت السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الماضية. وثمة قضايا وعوامل مثل العلاقة مع واشنطن، وخطة ترامب بشأن غزة، ومستقبل الحرب، ومسار التطبيع مع السعودية، والعلاقة مع الفلسطينيين، إلى جانب الإنفاق الدفاعي والضغوط الاقتصادية، وستظل مجتمعة ملفات أمام أي حكومة جديدة.
كما أن أي حكومة ستواجه معضلة الجمع بين مطالب الأمن والإنفاق العسكري وبين إدارة الدين والاقتصاد، في وقت ارتفعت فيه كلفة الحروب بصورة كبيرة. لذلك تبدو انتخابات 27 أكتوبر اختبارا للنظام السياسي الإسرائيلي بقدر ما هي اختبار لنتنياهو نفسه. فحتى إذا خرج الليكود متقدما أو تمكن خصومه من تشكيل حكومة، ستبقى المعركة الأكبر هي القدرة على بناء ائتلاف مستقر حول رؤية واضحة لما بعد سنوات الحرب والانقسام.
ولن تحسم صناديق الاقتراع وحدها مستقبل إسرائيل السياسي؛ فالنظام البرلماني والعتبة الانتخابية وتعدد الأحزاب تجعل اليوم التالي للانتخابات جزءا أساسيا من المعركة نفسها.