كيف يُعيد اجتماع القاهرة تشكيل موازين القوى والدفاع المشترك في شرق المتوسط؟
خطت مصر واليونان وقبرص خطوة جديدة في مسار التعاون الدفاعي الثلاثي، بعد اجتماع وزراء دفاع الدول الثلاث في القاهرة، مع اتفاق على تعزيز التعاون العسكري وتكثيف الاتصالات وتبادل المعلومات والتقييمات وتنسيق القدرات المشتركة، بما يدعم قدرة الدول الثلاث على الاستجابة السريعة والموحدة للتهديدات والتحديات الأمنية في المنطقة، وفقا لصحيفة بروتوثيما اليونانية.
وجاء الاجتماع في 22 سبتمبر بعد أيام قليلة من قمة العلمين الثلاثية، وفي أعقاب مناورات عسكرية واسعة شاركت فيها الدول الثلاث إلى جانب فرنسا وإيطاليا، ما يعكس انتقال التعاون من مستوى التنسيق السياسي إلى توسيع آليات التعاون العملياتي بين القوات المسلحة للدول الثلاث.
استجابة سريعة وموحدة للتهديدات
كان أبرز ما خرج به اجتماع القاهرة الاتفاق على تعزيز أطر التعاون العسكري والدفاعي بما يدعم "القدرة الجماعية على الاستجابة السريعة والموحدة" لأي تطورات مستقبلية تتعلق بمصادر تهديد من أي نوع ضد الدول الثلاث.
كما اتفق وزراء الدفاع على تكثيف الاتصالات والمشاورات وتبادل المعلومات والتقييمات، إلى جانب تنسيق القدرات المشتركة بما يتناسب مع خطورة التهديدات العسكرية والتحديات الأمنية القائمة والمستقبلية على المستوى الإقليمي. وأعلن الوزراء كذلك عقد الاجتماع المقبل لآلية الحوار الدفاعي الثلاثي في اليونان خلال عام 2027.
ويشير التركيز على الاتصالات وتبادل المعلومات وقابلية التشغيل البيني إلى أن التعاون لا يتوقف عند إجراء تدريبات مشتركة، بل يستهدف تحسين قدرة القوات المشاركة على العمل والتنسيق معا في ظروف مختلفة، وهو ما يمثل أحد العناصر الأساسية في بناء ترتيبات دفاعية متعددة الأطراف.
"ميدوسا 15" تختبر الجاهزية
جاء اجتماع القاهرة بعد اختتام المناورة متعددة الجنسيات "ميدوسا 15" في جزيرة كريت، والتي بدأت في 10 سبتمبر وانتهت في 18 سبتمبر بمشاركة قوات من مصر واليونان وقبرص وفرنسا وإيطاليا.
وكشفت المناورة مجموعة واسعة من القدرات العملياتية، بينها عمليات جوية وبحرية وإنزال برمائي، واستخدام طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية، إلى جانب عمليات للقوات الخاصة واستخدام طائرات مسيرة وأنظمة لمواجهة الطائرات المسيرة. وأكدت هيئة الأركان العامة للدفاع الوطني اليوناني أن الهدف الرئيسي كان تعزيز التعاون وقابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة للدول المشاركة.
وقدمت صحيفة كاثمريني اليونانية صورة ميدانية للمناورة، موضحة أنها تضمنت محاكاة لهجمات بطائرات مسيرة وعمليات إنزال سريع للقوات البحرية ومناورات للطائرات والمروحيات، بينما شاركت مصر بحاملة المروحيات "جمال عبد الناصر". كما شاركت فرنسا وإيطاليا وقبرص في التدريبات التي جرت في الفترة من 10 إلى 18 سبتمبر.
وتكشف هذه المناورة عن حجم القدرات التي أصبحت الدول الثلاث قادرة على اختبارها بصورة مشتركة، خصوصا في العمليات البحرية والجوية والبرمائية ومواجهة الطائرات المسيرة، وهي ملفات أصبحت تحتل موقعا متقدما في حسابات الأمن العسكري الحديث.
من المناورات إلى التنسيق العملياتي
وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس وصف اجتماع القاهرة بأنه خطوة جديدة في تعميق العلاقات المصرية اليونانية القبرصية، مشيرا إلى أنه جاء متابعة للقمة الثلاثية التي عقدت في العلمين قبل أيام. كما وصف مصر بأنها حليف استراتيجي وضروري لليونان وقبرص، في إشارة إلى الأهمية التي توليها أثينا للتنسيق مع القاهرة في الملفات الدفاعية والأمنية. وأكد ديندياس أن العلاقات الثلاثية تقوم على الاحترام المتبادل والقانون الدولي وقانون البحار والاتفاقات الموقعة بين الدول.
أما وزارة الدفاع اليونانية، فقد حددت قبل الاجتماع مجموعة من الملفات التي تعكس طبيعة المرحلة الجديدة، من بينها تعزيز التعاون بين القوات المسلحة، وتنظيم التدريبات وأنشطة التدريب المشتركة، وتحسين قابلية التشغيل البيني، والتعاون في التكنولوجيا الحديثة والابتكار الدفاعي، إلى جانب بحث التحديات التي يشهدها المحيط الأمني الأوسع للمنطقة.
شراكة تتجاوز المجال العسكري
ولا يأتي التحرك الدفاعي منفصلا عن شبكة أوسع من العلاقات المصرية اليونانية القبرصية. فقد عقد قادة الدول الثلاث قمة في العلمين في 8 سبتمبر، ناقشوا خلالها ملفات الأمن والطاقة والربط الكهربائي والتعاون الاقتصادي، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية.
وتوفر هذه الشبكة الاقتصادية والاستراتيجية أرضية أوسع للتنسيق السياسي والأمني، في وقت أصبحت فيه حماية طرق التجارة والطاقة والبنية التحتية البحرية جزءا متزايدا من حسابات الأمن الإقليمي.
وتتزامن هذه التطورات مع اهتمام متزايد بتعزيز أمن شرق المتوسط، حيث تتداخل المصالح المتعلقة بالطاقة والغاز والموانئ والربط الكهربائي والممرات البحرية مع الحسابات الأمنية والعسكرية.
مصر في قلب منظومة شرق المتوسط
ويعطي موقع مصر الجغرافي وثقلها العسكري أهمية خاصة لهذا التعاون. فالقاهرة تمتلك منفذا على البحر المتوسط والبحر الأحمر، كما ترتبط بمنظومة الملاحة الدولية عبر قناة السويس، بينما تمثل اليونان وقبرص امتدادا استراتيجيا نحو شرق المتوسط والاتحاد الأوروبي.
ولهذا فإن تطوير التعاون بين القوات المسلحة للدول الثلاث لا يقتصر على التدريب العسكري، بل يرتبط أيضا بقدرة هذه الدول على تبادل المعلومات والتنسيق في التعامل مع الأزمات البحرية والجوية ومواجهة التهديدات الحديثة، خصوصا الطائرات المسيرة والعمليات غير التقليدية.
وتوضح مناورات "ميدوسا 15" كيف يمكن لهذا التعاون أن يستوعب أطرافا أوروبية أخرى، بعدما شاركت فرنسا وإيطاليا في التدريب إلى جانب مصر واليونان وقبرص، بينما حضر مراقبون من الإمارات وصربيا وموزمبيق والبحرين.
خطوة جديدة في بناء قدرة مشتركة
النتيجة الأبرز لاجتماع القاهرة هي الانتقال من التعاون العسكري التقليدي إلى مستوى أكثر انتظاما من التنسيق، يقوم على ثلاثة محاور رئيسية: التدريب المشترك، وتبادل المعلومات والتقييمات، وتحسين قدرة القوات على العمل معا.
ولم يتضمن الإعلان الرسمي، بحسب النصوص المتاحة، إنشاء جيش ثلاثي مستقل أو قيادة عسكرية مشتركة دائمة، لكن الاتفاق على تعزيز "القدرة الجماعية على الاستجابة السريعة والموحدة" يمثل تطورا واضحا في مستوى التعاون الدفاعي بين القاهرة وأثينا ونيقوسيا.
ومع تحديد اليونان لاستضافة الاجتماع الدفاعي الثلاثي المقبل في 2027، تبدو تفاهمات القاهرة جزءا من آلية مستمرة وليست ترتيبا مؤقتا مرتبطا باجتماع واحد، فيما تواصل الدول الثلاث تطوير شبكة تعاون تجمع بين الدفاع والأمن والتدريب والتكنولوجيا والطاقة والمصالح الاستراتيجية في شرق المتوسط.