«ممرات وغرف مخفية».. أدلة جيوفيزيائية جديدة تعيد فرضية قرب مقبرة نفرتيتي من توت عنخ آمون
بعد أكثر من قرن على اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك، تعود واحدة من أكثر فرضيات علم المصريات إثارة للجدل إلى الواجهة، مع ظهور أدلة جيوفيزيائية جديدة تشير إلى احتمال وجود ممرات وغرف مخفية بالقرب من المقبرة، وربما تقود إلى مكان دفن الملكة نفرتيتي.
وذكرت مجلة نيتشر البريطانية أن المسح الجديد كشف بيانات مثيرة للاهتمام، لكنها لا تزال غير كافية للوصول إلى استنتاج نهائي، موضحة أنه حال موافقة المجلس الأعلى للآثار على عمليات فحص إضافية، فقد يبدأ حفر دقيق في نوفمبر المقبل يسمح بإدخال مركبات صغيرة مزودة بكاميرات إلى المناطق التي تشير إليها البيانات.
البحث عما وراء جدران المقبرة
أجرى فريق بقيادة عالم المصريات المصري ممدوح الدماطي مسوحات جديدة لمقبرة توت عنخ آمون، المعروفة باسم "كيه في 62"، بالتعاون مع المهندس والجيوفيزيائي جورج بالارد.
واستخدم الباحثون رادار اختراق الأرض لفحص المنطقة من داخل المقبرة، إلى جانب تقنية الجاذبية الدقيقة، وهي طريقة غير تدميرية يمكنها رصد اختلافات صغيرة في كثافة المواد تحت سطح الأرض من خلال قياس تغيرات دقيقة في مجال الجاذبية.
وعند دمج هذه البيانات مع دراسات بنية المقبرة والرسوم الجدارية ونتائج مسوحات سابقة، يرى الفريق أن الصورة قد تشير إلى وجود "مجمع خفي" من الممرات والغرف، وربما يكون أقدم من دفن توت عنخ آمون نفسه.
ممر بعرض مترين
يقول بالارد إن نتائج رادار اختراق الأرض تشير إلى وجود ممر يبلغ عرضه نحو مترين، وممتلئ بالركام، ويمتد بعيدا عن غرفة الدفن، ويعتقد أن عمليات المسح السابقة ربما لم تكتشف هذا الممر لأنها كانت تبحث عن فراغ كبير يقع مباشرة خلف الجدار الشمالي لغرفة الدفن.
لكن الفريق لم يعتمد على الرادار وحده. فقد جمع بالارد أكثر من 1200 قراءة للجاذبية في مساحة تبلغ نحو 35 مترا مربعا حول المقبرة. وتشير البيانات، بحسب تفسيره، إلى تراكيب قد تكون اصطناعية، ذات زوايا قائمة وكثافة منخفضة، وتمتد محاورها بصورة موازية للجدار الشمالي.
كما أظهرت بيانات مسح بالمقاومة الكهربائية أجري عام 2017 إشارات في مواقع مشابهة، رغم أن هذه النتائج لم تفسر وقتها باعتبارها مرتبطة بمقبرة توت عنخ آمون.
الإشارة الجيوفيزيائية رقم 7
من بين النتائج التي أثارت اهتمام الفريق ما أطلق عليه الباحثون "الإشارة الجيوفيزيائية رقم 7". وتظهر هذه المنطقة منخفضة الكثافة في معظمها، لكنها تحتوي على مساحة شبه مربعة ذات كثافة أعلى. ويرى بالارد أن هذا الشكل قد يتوافق مع غرفة تحتوي على أجسام أو مواد مختلفة الكثافة.
لكن الباحث يقر في الوقت نفسه بأن الفريق يعمل عند الحدود القصوى لقدرة أدوات الكشف المستخدمة، وهذه نقطة أساسية في قراءة النتائج؛ فالإشارة الجيوفيزيائية تكشف اختلافا في البنية أو الكثافة تحت الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد ما إذا كان هذا الاختلاف يمثل غرفة أو ممرا أو بنية أخرى.
وتشير البيانات كذلك إلى أن الغرف المقترحة لا تبدو متصلة بمداخل أخرى، ما يعني أنه إذا كانت موجودة بالفعل، فمن المحتمل أنها لم تدخل منذ العصور القديمة.
لماذا نفرتيتي؟
تعود الفرضية إلى عام 2015، عندما اقترح عالم المصريات البريطاني نيكولاس ريفز أن مقبرة توت عنخ آمون قد تكون في الأصل جزءا من مقبرة ملكية أكبر، وأن الجدار الشمالي لغرفة الدفن ربما يخفي خلفه حجرات إضافية.
واستند ريفز إلى خطوط وتشققات وتغيرات في الرسوم والطبقات الموجودة على الجدار، معتبرا أنها قد تكون آثارا لمداخل جرى إخفاؤها لاحقا.
وكان صغر حجم مقبرة توت عنخ آمون مقارنة بمقابر ملكية أخرى، إلى جانب عدم العثور على مكان دفن مؤكد لنفرتيتي، من العوامل التي جعلت الفرضية تحظى باهتمام واسع، لكن محاولات اختبارها جيوفيزيائيًا أعطت نتائج متعارضة؛ إذ أشارت بعض المسوحات إلى احتمال وجود غرف، بينما خلصت تحليلات أخرى إلى عدم وجود أدلة كافية عليها.
العلماء يطلبون المزيد من الأدلة
يتعامل متخصصون مستقلون مع النتائج الجديدة بحذر. ووصف كريستوفر جافني، عالم الآثار والمتخصص في رادار اختراق الأرض بجامعة برادفورد البريطانية، التقرير بأنه مثير للاهتمام، لكنه قال إن البيانات المتاحة لا تكفي للوصول إلى استنتاجات نهائية.
ويرى بيتر ستايلز، عالم الجيوفيزياء بجامعة كيل البريطانية، أن وجود غرف يبدو ممكنا استنادا إلى بيانات الجاذبية، لكنه يريد رؤية تفاصيل إضافية قبل إصدار حكم نهائي.
كما قال بالارد إنه لم يحصل بعد على إذن السلطات المصرية لنشر جميع البيانات التي جرى جمعها.
الاختبار الحقيقي قد يبدأ في نوفمبر
إذا حصل الفريق على الموافقات المطلوبة، فقد تبدأ في نوفمبر عملية حفر دقيقة تسمح بإدخال مركبات صغيرة مزودة بكاميرات إلى المناطق التي تشير إليها المسوحات.