من الاستيراد إلى التصنيع.. كيف أعادت مصر تعريف الاستثمار في الطاقة النظيفة؟
تقدم مصر نموذجا لافتا في التوسع في طاقة الرياح، ليس فقط باعتبارها مصدرا لإنتاج الكهرباء، وإنما باعتبارها جزءا من توجه أوسع يستهدف تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز القدرة الصناعية المحلية، وفقا لصحيفة سويتان الجنوب أفريقية.
وتحظى هذه التجربة باهتمام في دول أفريقية أخرى تواجه تحديات مماثلة في توفير الطاقة وتنويع مصادرها، خصوصا مع سعي القارة إلى زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة. ويبرز في التجربة المصرية التعاون مع الصين، الذي يستهدف الجمع بين تطوير مشروعات طاقة الرياح وتعزيز القدرات الصناعية المرتبطة بها.
شراكة مع الصين لتقليل الاعتماد على الواردات
تتمثل إحدى النقاط الرئيسية في التجربة المصرية في السعي إلى بناء قدرة محلية على تصنيع المعدات المرتبطة بالطاقة المتجددة، بدلا من الاكتفاء باستيراد التكنولوجيا والمعدات اللازمة لإنشاء مزارع الرياح.
وتستهدف الشراكة المصرية الصينية دعم هذا الاتجاه من خلال تطوير صناعة مرتبطة بتوربينات الرياح، بما يساعد على تلبية احتياجات السوق المحلية وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، مع إمكانية الاستفادة من هذه القدرات الصناعية في المستقبل لخدمة أسواق أفريقية أخرى.
ولا تتعلق المسألة بإنتاج الكهرباء وحده، إذ إن توطين الصناعة يمكن أن يخلق قيمة اقتصادية إضافية من خلال تطوير المهارات والخبرات المحلية، وإقامة سلاسل توريد مرتبطة بمشروعات الطاقة المتجددة.
وهذا هو الجانب الذي يجعل التجربة المصرية ذات أهمية بالنسبة إلى دول أفريقية أخرى؛ فالتوسع في الطاقة النظيفة يمكن أن يرتبط أيضا بمحاولة بناء قاعدة صناعية محلية بدلا من أن يظل مقتصرا على شراء المعدات من الخارج.
تجربة نيجيريا تكشف تحديات مختلفة
وفي المقابل، تقدم نيجيريا مثالا على الصعوبات التي يمكن أن تواجه مشروعات طاقة الرياح في أفريقيا. فقد تعطل مشروع مزرعة الرياح في ولاية كاتسينا لسنوات، قبل أن تتولى حكومة الولاية المشروع. وفي سبتمبر 2025 دخل المشروع مرحلة التشغيل بعد أن أضافت الولاية قدرة تبلغ 10 ميجاوات من الطاقة الشمسية.
وتوضح هذه التجربة أن امتلاك إمكانات طبيعية مناسبة لإنتاج الطاقة المتجددة لا يعني بالضرورة سهولة تحويلها إلى مشروعات عاملة. فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى تمويل، وقدرات تنفيذية، واستمرارية في السياسات، إلى جانب البنية التحتية اللازمة لربط مشروعات الطاقة بشبكات الكهرباء.
كما تكشف تجربة كاتسينا أهمية الجمع بين مصادر مختلفة للطاقة المتجددة. فإضافة الطاقة الشمسية إلى المشروع سمحت بتكوين منظومة تجمع بين الرياح والشمس، وهو نموذج يمكن أن يكون مناسبا لبعض الدول الأفريقية التي تسعى إلى زيادة إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة.
الطاقة المتجددة كأداة للتصنيع
وتكمن إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من التجربة المصرية في أن التحول إلى الطاقة المتجددة لا يجب أن يعني الاعتماد الدائم على استيراد التكنولوجيا.
فالدولة التي تنشئ مزارع رياح ضخمة يمكنها، بالتوازي، العمل على تطوير الصناعات والخدمات التي تحتاج إليها هذه المشروعات. ويشمل ذلك تصنيع بعض المعدات، وتوفير خدمات الصيانة، وتدريب العمالة، وتطوير الخبرات الفنية، وإنشاء شركات قادرة على المشاركة في سلسلة القيمة الخاصة بالطاقة المتجددة. وهذا النوع من التوسع يمكن أن يحول الاستثمار في الطاقة من عملية شراء لمعدات أجنبية إلى فرصة لبناء قدرات اقتصادية محلية.
ويكتسب ها الملف أهمية خاصة في أفريقيا، لأن العديد من دول القارة تمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكنها تواجه في الوقت نفسه قيودا تتعلق بالتمويل والبنية التحتية والقدرة الصناعية.
ما الذي يمكن لأفريقيا الاستفادة منه؟
لا تقدم التجربة المصرية وصفة واحدة تصلح لجميع الدول، لكن مسارها يوضح مجموعة من الدروس المحتملة. أولها أن مشروعات الطاقة المتجددة تحتاج إلى النظر إليها باعتبارها استثمارات طويلة الأجل، وليس مجرد مشروعات منفردة لإنتاج الكهرباء. وثانيها أن الشراكات الدولية يمكن أن تؤدي دورا يتجاوز تمويل المشروعات وتنفيذها، إذا ارتبطت بنقل الخبرات وبناء القدرات الصناعية المحلية.
أما الدرس الثالث فيتعلق بضرورة الجمع بين إنتاج الطاقة وتطوير الصناعات المرتبطة بها. فكلما زادت قدرة الدولة على إنتاج جزء أكبر من المعدات والخدمات محليا، زادت الفوائد الاقتصادية التي يمكن أن تحصل عليها من التحول إلى الطاقة النظيفة.
وفي الوقت نفسه، تظهر تجربة نيجيريا أن نجاح مشروعات الطاقة المتجددة يتطلب التغلب على تحديات التنفيذ والاستمرارية، وليس فقط الإعلان عن خطط أو تحديد مواقع مناسبة للمشروعات.
وتضع التجربة المصرية أمام الدول الأفريقية نموذجا يقوم على الربط بين الطاقة المتجددة والصناعة. فالتوسع في طاقة الرياح يمكن أن يساعد على زيادة إنتاج الكهرباء، وفي الوقت نفسه تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز القدرات الصناعية، خصوصا عندما تقترن المشروعات الكبرى بشراكات دولية تستهدف تطوير الصناعة المحلية.