< «بعد السيطرة على باب المندب».. الحوثيون يضعون قناة السويس أمام اختبار جديد
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

«بعد السيطرة على باب المندب».. الحوثيون يضعون قناة السويس أمام اختبار جديد

أرشيفية
أرشيفية

سلط المرصد الدولي للتنمية المستدامة في سويسرا، الضوء على تفاقم التحديات التي تواجه مصر في البحر الأحمر بعد إتمام جماعة الحوثي سيطرتها على كامل الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في تطور يضع قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد، أمام اختبار جديد بعد سنوات من الاضطرابات المتتالية.

إحكام السيطرة الحوثية على باب المندب

أتمت قوات الحوثي، المدعومة من إيران، سيطرتها على الساحل الغربي لليمن بالكامل، بعد الاستيلاء على مدينة "المخا" الساحلية والسيطرة على جزيرة "ميون" (بريم) الاستراتيجية عقب هجوم استمر أسبوعًا وخلّف مئات القتلى.

وباتت القوات الحوثية متمركزة على بعد نحو 20 كيلومترًا فقط من الساحل الأفريقي، ما يمنحها سيطرة فعلية على مضيق باب المندب، الممر البالغ اتساعه نحو 30 كيلومترًا عند أضيق نقطة فيه، والذي يُعد بوابة عبور إلزامية لأي سفينة متجهة إلى قناة السويس.

ورغم محاولة أحد قياديي المكتب السياسي للحوثيين طمأنة الأسواق العالمية بالتأكيد على أن الملاحة الدولية والتجارة في البحر الأحمر وباب المندب "آمنة ومنظمة"، فإن السيطرة الميدانية الكاملة على الممر تمنح الجماعة قدرة فعلية على التحكم في حركة الملاحة متى شاءت، وهو ما يُبقي حالة القلق قائمة لدى شركات الشحن العالمية.

خسائر مصرية تتجاوز الملياري دولار سنويًا

تشكل قناة السويس مصدرًا حيويًا للعملة الصعبة في مصر، إذ كانت تستحوذ على نحو 10% من التجارة العالمية قبل اندلاع الأزمة. 

وبحسب بيانات رسمية، تراجعت إيرادات القناة من مستوى قياسي بلغ 10.3 مليار دولار في 2023 إلى نحو 4 مليارات دولار فقط في 2024، بانخفاض يقارب الثلثين، بعدما هبط عدد السفن العابرة للقناة إلى 13،213 سفينة فقط خلال العام، مقارنة بأكثر من 26 ألف سفينة في العام السابق له.

ووفقًا لتقديرات رسمية، خسرت مصر نحو 7 مليارات دولار بين عامي 2023 و2024، أي ما يعادل حوالي 60% من إيرادات القناة، جراء الهجمات الحوثية التي استهدفت أكثر من 100 سفينة تجارية بالصواريخ والطائرات المسيّرة بين نوفمبر 2023 ويناير 2024 وحدهما.

ودفعت شركات شحن عالمية كبرى لتغيير مسارها بشكل دائم نحو رأس الرجاء الصالح رغم إعلان الحوثيين لاحقًا وقف استهداف السفن.

تعافٍ جزئي هش قبل الانتكاسة الجديدة

شهدت حركة الملاحة عبر القناة بوادر تعافٍ تدريجي خلال عام 2025، مدعومة بهدنة غزة التي أُبرمت في أكتوبر من العام نفسه، إذ سجّل شهر أكتوبر 2025 عبور 229 سفينة، وهو أعلى معدل شهري منذ بداية الأزمة، بينما أعلنت هيئة قناة السويس ارتفاع الإيرادات بنسبة 14.2% على أساس سنوي خلال الفترة من يوليو إلى أكتوبر 2025. غير أن هذا التعافي النسبي جاء هشًا وقابلًا للانتكاس، كما تؤكد التطورات الأخيرة.

مصر بين مطرقة باب المندب وسندان مضيق هرمز

يزيد من تعقيد المشهد أن اكتمال السيطرة الحوثية على باب المندب يأتي متزامنًا مع توقف خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي، الذي كان يمثل بديلًا لمضيق هرمز وينتهي عند ميناء ينبع على الساحل الذي بات الحوثيون يشرفون عليه الآن. 

ويلاحظ محللون أن مصر كانت قد حاولت طرح نفسها كممر طاقة بديل وسط اضطرابات هرمز، بما يتماشى مع طموحها لأن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة، إلا أن التمدد الحوثي في باب المندب يمثل نبأً سيئًا لهذه الخطط، وللملاحة في البحر الأحمر، وسوق الطاقة العالمي، وحركة تجارة البضائع بين الصين والغرب.

ويرجح الخبراء أن استمرار سيطرة الحوثيين يشكل عنق زجاجة اقتصاديًا لمصر تحديدًا، مقابل مخاطر أمنية للسودان والصومال، وأوراق ضغط جديدة بيد إريتريا وجيبوتي، في وقت أبدت فيه مصر حتى الآن ما وصفه باحثون بـ"ضبط النفس الاستراتيجي" رغم حجم خسائرها المتراكمة.

يضع التمدد الحوثي الأخير مصر أمام معادلة صعبة؛ فمن جهة، لا تملك القاهرة أدوات مباشرة للتأثير على موازين القوى في الساحل اليمني، ومن جهة أخرى، فإن أي اضطراب إضافي في باب المندب ينعكس مباشرة على إيرادات قناة السويس التي لا تزال تحاول التعافي من أسوأ أزماتها منذ سنوات، في وقت يبدو فيه أن ملف البحر الأحمر لم يعد مرتبطًا بغزة وحدها، بل تشابك مع أزمات إقليمية أوسع تمتد من هرمز إلى العراق.