باب المندب في مرمى الحوثيين.. كيف تحولت مكاسب اليمن إلى ورقة ضغط إيرانية؟
في غضون أقل من يومين، وتحديدا في غضون 36 ساعة، اقترب مقاتلو الحوثي المدعومون من إيران من إحكام سيطرتهم على كامل الساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، بعد سيطرتهم على ميناء المخا الخميس، ثم جزيرة بريم الاستراتيجية عند مدخل باب المندب يوم الجمعة، وهي الجزيرة التي تقسم المضيق إلى نصفين وتمنح طهران عمليا سيطرة على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم. ووصفت سي إن إن هذا التقدم بأنه امتداد لصراع كان شبه مجمد لسنوات، قبل أن تشعله من جديد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية وسعي طهران لاستخدام أسعار النفط ورقة ضغط على واشنطن، وفقا لمجلة فوربس.
انهيار ميداني وسط اتهامات متبادلة
كشفت مصادر يمنية عسكرية لشبكة سي إن إن أن قادتها استغاثوا بالقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) طلبا لدعم جوي فور بدء الهجوم على المخا، وتلقوا وعودا بأن "الدعم السعودي قادم"، إلا أن هذا الدعم لم يصل، وسقطت المدينة لاحقا. ووصف مسؤول إقليمي الموقف بأنه "كارثة صنعت في واشنطن والرياض"، فيما أرجع مستشار أمريكي مختص بمخاطر شبه الجزيرة العربية جزءا من الانهيار إلى غياب القيادة الموحدة داخل التحالف المناهض للحوثيين. كما كشفت مصادر غربية لسي إن إن أن كشوف الجيش اليمني كانت مثقلة بأسماء وهمية تتقاضى رواتب، وأن قوته الفعلية لم تتجاوز 20% مما هو مسجل رسميا، خصوصا بعد انسحاب الإمارات قواتها من اليمن في يناير دون أن تسد الرياض الفراغ الناتج.
ورقة ضغط لا تحتاج سلاحا متطورا
يرى مسؤولون يمنيون أن الحوثيين لا يحتاجون إلى ترسانة متقدمة لتفعيل هذه الورقة. وقال عمرو البيض، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، إن الجماعة يمكنها إغلاق باب المندب "باستخدام مدفع فوق سيارة" فقط، معتبرا أن هذه الورقة ستبقى بيدهم دون الحاجة لأسلحة متطورة. ويعزز هذا التقدير أن المضيق، رغم كونه أقل أهمية من مضيق هرمز في سوق الطاقة العالمي، ينقل يوميا ملايين البراميل من النفط وسلعا أساسية عبر قناة السويس، وأن أهميته تصاعدت مع لجوء السعودية إلى تحويل جزء من صادراتها عبره لتفادي التوتر في هرمز، وفقا لشبكة سي إن إن الإخبارية.
طهران تحصد المكاسب دون تصريحات مباشرة
وصف مستشار للمرشد الإيراني تقدم الحوثيين بأنه "انتصار واضح"، فيما نقلت رويترز أن مسؤولين إيرانيين ووسائل إعلام رسمية روجوا للعملية باعتبارها ضربة موجهة للنفوذ الغربي في الممرات المائية الحيوية، مع تجنب أي إعلان رسمي بشأن إغلاق دائم أو وشيك للمضيق. ونقلت رويترز أيضا أن السلاح والتوجيه المباشر من الحرس الثوري الإيراني ساعدا تقدم الحوثيين، بحسب مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية، رغم نفي طهران الرسمي لتوجيهها العمليات، وفقا لشبكة فوكس نيوز.
تصعيد مواز يستهدف خط الأنابيب السعودي
تزامنت هذه التطورات مع استهداف خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي بطائرات مسيرة انطلقت من العراق، ما اضطر الرياض إلى وقف تشغيله احترازيا، وفق ما أعلنته وزارة الطاقة السعودية، التي أكدت عدم الرد الفوري بناء على طلب من رئيس الوزراء العراقي، مع احتفاظها بحق اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها ومنشآتها الحيوية، وفقا لشبكة إن بي سي نيوز.
الرياض تطلب تدخلا عسكريا أمريكيا.. وترامب يتردد
كشفت مصادر مطلعة لشبكة إن بي سي نيوز أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تواصل مرتين مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طالبا ضربات عسكرية ضد الحوثيين، إلا أن ترامب رفض التدخل المباشر حتى الآن، مكتفيا بتقديم دعم عسكري يتعلق بتحديد الأهداف وتبادل المعلومات مع الرياض. ونقلت واشنطن بوست عن مسؤول يمني وصفه للتطورات بأنه "أول يوم تبدأ فيه إيران فعليا في كسب الحرب"، في إشارة إلى الزخم الذي منحته هذه المكاسب الميدانية لطهران على جبهة ثانية إلى جانب مضيق هرمز، وفقا لصحيفة واشنطن بوست.
تكشف التطورات الأخيرة في باب المندب أن السيطرة الميدانية على الساحل، لا التهديد اللفظي وحده، هي ما يمنح الحوثيين وحليفتهم إيران نفوذا حقيقيا على أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وطالما بقيت واشنطن مترددة في التدخل المباشر، ولا تزال طهران تتجنب الإعلان الصريح عن إغلاق المضيق، يبدو أن الطرفين يفضلان تحويله إلى أداة ضغط جاهزة للتفعيل عند الحاجة، بدلا من المجازفة بإغلاقه فعليا.