< خطر على قناة السويس.. ماذا تعني هيمنة الحوثيين على حركة المرور في مضيق باب المندب؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

خطر على قناة السويس.. ماذا تعني هيمنة الحوثيين على حركة المرور في مضيق باب المندب؟

الرئيس نيوز

بدا أن الحروب الحالية لم تعد تكتفى باستخدام تكتيات جديدة قائمة على الاعتماد على المسيرات الانقضاضية والهجومية، بل بدا أن الاستحواذ على الممرات المائية أصبح هدفًا للجماعات المتقاتلة؛ بغية الحصول على أوراق ضغط وتقوية الموقف في  الحسابات الإقليمية.

إيران لا تملك من أوراق القوة إلا سيطرتها على مضيق هرمز، وكذلك الحوثي سار على نهجها أو بإعاز منها للسيطرة على مضيق باب المندب، لتكون إيران وأذرعها تتحكم في حركة الملاحة سواء المتعلقة بإمدادت الطاقة عبر هرمز، او طريق التجارة الرابطة بين أوروبا وآسيا، عبر مضيق باب المندب، حيث قناة السويس.

الحوثيون، تمكنوا من السيطرة على جزيرة ميون (بريم) على الساحل الغربي لليمن، بالتزامن مع انتشارهم في مدينة ذوباب الساحلية، عقب سيطرتهم على المخا. وقال مسؤول حكومي يمني لرويترز إن "قوارب على متنها مسلحين حوثيين وصلت الى جزيرة ميون بعد انسحاب القوات الحكومية منها بالأمس". وقال شهود إن المسلحين الحوثيين "ينتشرون في شاطئ باب المندب ولديهم مركبات عسكرية يتجولون فيها".

وأفاد مصدران حكوميان يمنيان لرويترز أن الحوثيين وصلوا إلى مدينة ذوباب الواقعة مباشرة على مضيق باب المندب مقابل جزيرة بريم. وذكرت مصادر حكومية لرويترز أن السيطرة على ذوباب وبريم أمر أساسي لبسط السيطرة على المضيق.

وبهذا التقدم، أحكم الحوثيون انتشارهم على أبرز المواقع اليمنية المطلة على المضيق، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، ما يضع حركة السفن بين آسيا وأوروبا أمام تهديد متزايد، ويمنح الجماعة نفوذًا مباشرًا عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس.

ولا يعني سقوط ميون إغلاق المضيق تلقائيًا، لكنه قد يضع قوة مسلحة على تماس مباشر مع مسارات الملاحة، في وقت أثبتت فيه هجمات محدودة منذ أواخر عام 2023 قدرتها على دفع كبرى شركات الشحن إلى مغادرة البحر الأحمر والالتفاف حول أفريقيا.

موقع استراتيجي 

تقع جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، داخل مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر. ويفصل باب المندب اليمن في شبه الجزيرة العربية عن جيبوتي وإريتريا على الساحل الأفريقي، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب.

ويبلغ عرض المضيق نحو 18 ميلًا، أي 29 كيلومترًا، عند أضيق نقطة فيه. وتفصل جزيرة ميون الممر المائي إلى قناتين، ما يفسر أهميتها العسكرية والملاحية، ويجعل السيطرة عليها عاملًا مؤثرًا في مراقبة السفن القادمة إلى البحر الأحمر أو المغادرة منه.

وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تتحرك الناقلات عبر قناتين ملاحيتين لا يتجاوز عرض كل منهما ميلين، رغم أن عرض المضيق الإجمالي يبلغ 18 ميلا، بحسب موقع "يو إس انرجي انفورميشن".

وتأتي أهمية الجزيرة في ظل سعي الحوثيين المدعومين من إيران للسيطرة على كامل الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، بما يعزز نفوذهم على باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا وتنازعًا في العالم.

يسيطر الحوثيون بالفعل على الحديدة، التي استخدموها قاعدة لحملتهم الأوسع من الهجمات على السفن في البحر الأحمر، ثم تقدموا جنوبًا وسيطروا على المخا، المدينة الساحلية التاريخية المعروفة بأنها مهد تجارة القهوة العالمية.

لكن المخا لا تقع مباشرة على أضيق نقطة في باب المندب. وإلى الجنوب منها تقع ذوباب، الممتدة بمحاذاة المضيق، ثم جزيرة ميون داخل الممر المائي نفسه. ولذلك تُعد السيطرة على ذوباب والجزيرة الخطوتين الأكثر أهمية لإحكام النفوذ على المضيق.

ماذا يمنح سقوط الجزيرة للحوثيين؟

تتيح السيطرة على ميون للحوثيين موقعًا متقدمًا داخل باب المندب، وقدرة أكبر على رصد السفن التي تعبر الممر وممارسة ضغط مباشر على حركة الشحن. لكن السيطرة على الجزيرة وحدها لا تعني امتلاك القدرة المطلقة على إغلاق باب المندب؛ إذ يعتمد ذلك على الانتشار العسكري في ذوباب والساحل المقابل، والقدرات المستخدمة لاستهداف السفن، وردود الفعل العسكرية الدولية.

يمثل باب المندب البوابة الجنوبية لقناة السويس، مما يعني أن السفن القادمة من آسيا وخليج عدن يجب أن تعبره للوصول إلى القناة والبحر المتوسط. كما يشكل المضيق طريقًا حيويًا لشحنات النفط والغاز والسلع بين آسيا وأوروبا، ولحركة الطاقة المرتبطة بقناة السويس وخط أنابيب السويس–البحر المتوسط "سوميد"، فضلًا عن الشحنات المتجهة إلى آسيا، بما فيها النفط الروسي.

وتؤكد إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن السفن المتنقلة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس لا بد أن تمر بباب المندب. وقد مثّل المضيق خلال النصف الأول من عام 2023 ممرًا لنحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحرًا و8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. وبحسب بيانات شركة "كبلر" الواردة في تقرير رويترز، بلغت كميات المنتجات النفطية التي عبرت باب المندب خلال يونيو نحو 7% من إجمالي إنتاج النفط العالمي.

تداعيات خطيرة

ودفعت هجمات الحوثيين على السفن الإسرائيلية في مضيق باب المندب، كبرى شركات الشحن، بينها "هاباغ لويد" و"إم إس سي" و"ميرسك"، إضافة إلى "بي بي" و"فرونت لاين"، إلى تحويل سفنها بعيدًا عن قناة السويس والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، الامر الذي انعكس فس تصريحات مصرية تؤكد أن خسائر قناة السويس نتيجة تلك الممارسات بلغت نحو 5 مليار دولار.

وأدت الهجمات الحوثية إلى ارتفاع تكاليف الشحن وإطالة الرحلات أسابيع. وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر باب المندب انخفضت بأكثر من 50% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، فيما ارتفعت التدفقات المارة حول رأس الرجاء الصالح إلى 9.2 مليون برميل يوميًا.

لذلك لا تكمن خطورة سقوط ميون في مساحة الجزيرة، بل في موقعها، إذ أن نقطة صغيرة داخل ممر، إذا ما استخدم في عرقلة حركة السفن، سوف يؤدي ذلك إلى إرباك العمل في قناة السويس، وإطالة طرق التجارة، ورفع كلفة الوقود والتأمين والشحن، ونقل التداعيات من الساحل اليمني إلى الأسواق العالمية.

ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره انتقالا من سياسة التأثير عن بُعد إلى محاولة فرض حضور ميداني مباشر على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. كما يمنح الاقتراب من باب المندب الحوثيين ورقة ضغط جيوسياسية مهمة، نظرا للأهمية الاستثنائية للمضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره نسبة مؤثرة من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

ومن شأن تعزيز النفوذ في هذه المنطقة أن يرفع من الوزن التفاوضي للجماعة في أي ترتيبات أو مسارات سياسية إقليمية ودولية مرتبطة بالملف اليمني. 

كيف سقطت ميون؟

وفق تقارير صحفية، فإن التقدم الحوثي السريع باتجاه المخا، وذباب، وجزيرة ميون، لم يتحقق بفعل انتصار عسكري أو معارك طاحنة، بل جاء إثر انسحاب غامض ومفاجئ لأكثر من 30 ألف مقاتل من "القوات المشتركة" (التي تضم المقاومة الوطنية، ألوية العمالقة، والقوات التهامية).

وقد أخلت هذه القوات المنسحبة أنساقها القتالية الدفاعية بالكامل، بدءًا من الوازعية، مرورًا بحيس والخوخة (التي تُعد الحامية الإستراتيجية للمخا)، وصولًا إلى المخا نفسها.

ثلاث سيناريوهات

سيناريو الاختراق العسكري (الأرجح): أن الانسحاب تم نتيجة خلل عسكري جسيم، أو اختراقات لشبكات الاتصالات العسكرية التابعة للقوات الحكومية، ترافق مع غياب تام للتنسيق والقرار السياسي والعسكري الموحد بين الفصائل المتواجدة في الساحل.

سيناريو "الاستدراج" (مستبعد): يرى البعض أن الانسحاب قد يكون خطة تكتيكية لاستدراج الحوثيين خارج صنعاء لتطويقهم. لكن الشلفي يرفض هذا الطرح تمامًا، مبررًا ذلك بأن المناطق المتروكة (مثل ذباب وميون) ليست مجرد أراضٍ عادية، بل هي قواعد عسكرية استغرق تجهيزها 10 سنوات، وتضم مرافئ، ومطارات، ومقار قيادة، ومنصات جاهزة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا يمكن عسكريًا التفريط بها وتسليمها للعدو كـ"طعم".

سيناريو الهزيمة الحقيقية (مستبعد): وهو أمر غير منطقي نظرًا لعدم اندلاع أي مواجهات أو قتال فعلي يبرر سقوط هذه المساحات الشاسعة.