«جواز سفر وشريحة مزورة».. أكبر عملية أوروبية تكشف شبكة للاتجار بالخيول
في عملية واسعة النطاق نفذتها وكالة الاتحاد الأوروبي لإنفاذ القانون، يوروبول، بالتنسيق مع أجهزة أمنية في أربع دول، كشف النقاب عن واحدة من أغرب شبكات الجريمة المنظمة في تاريخ القارة الأوروبية الحديث؛ شبكة لا تتاجر بالمخدرات ولا بالأسلحة، بل بالخيول — أو بالأحرى، بهوياتها المزورة.
ووفقًا لمجلة “يورآسيا ريفيو”، شارك قرابة 200 ضابطا في عمليات مداهمة وتفتيش متزامنة شملت بلجيكا وفرنسا وأيرلندا وهولندا، وأسفرت عن فحص أكثر من ألف حصان ومصادرة أدلة لا تزال قيد التحليل. وقادت التحقيقَ السلطاتُ البلجيكية، في ما يُوصف بأنه أكبر عملية من نوعها تستهدف الاتجار بالخيول في أوروبا.
جواز سفر مزور وشريحة جديدة
تعيد الآلية الإجرامية التي كشف عنها المحققون تعريف مفهوم "سرقة الهوية" في سياق لم يخطر على بال أحد، فكل حصان في أوروبا يحمل رقاقة إلكترونية مزروعة تحت الجلد ترتبط بجواز سفره الرسمي، وهذا الجواز يحدد تاريخ الحيوان الطبي ومدى أهليته للذبح والاستهلاك الآدمي.
وأضافت المجلة أن ما فعلته الشبكة ببساطة مثيرة للذعر هو استبدال هذه الرقائق وتزوير جوازات السفر المرافقة، لتصبح خيول سباق أو رياضة، أُعطيت خلال مسيرتها عقاقير طبية تجعل لحمها محظورًا وغير مناسب للاستهلاك الآدمي، فجأة خيولًا "نظيفة" بهويات جديدة كليًا، قادرة على دخول سلسلة الغذاء الأوروبية بشكل قانوني على الورق.
أيرلندا في قلب العاصفة.. ثماني مداهمات في ست مقاطعات
كشفت صحيفة أيرش تايمز أن جهاز الشرطة الأيرلندي Garda نفذ 8 عمليات تفتيش في 6 مقاطعات، هي جالواي وكيلكيني وتيبراري وكيلدير ودبلن ودونيجال، بمشاركة مسؤولين من وزارة الزراعة ومحققين هولنديين وعناصر من يوروبول.
وتقول الصحيفة إن وجود عناصر أمن أجنبية على الأراضي الأيرلندية لا يحدث عادةً إلا في التحقيقات الدولية الكبرى المرتبطة بالجريمة المنظمة الخطيرة، ما يعني أن الكارثة التي تصدت لها الوكالة الأوروبية كانت جسيمة من حيث حجم القضية وأثرها.
أصداء 2013.. حين كانت "اللحوم البقرية" في الأصل خيولًا
هذه الجريمة ليست وليدة اليوم. في عام 2013، هزّت أوروبا فضيحة من العيار الثقيل حين اكتُشف أن منتجات لحوم بقرية كانت تحتوي فعليًا على لحوم خيول، بعضها تبيّن أنه غير صالح للاستهلاك الآدمي.
وفي السنوات التالية، واصل محققو يوروبول كشف تفاصيل أعمق للشبكة؛ ففي عام 2020، كشفت عملية أوبسون التاسعة المشتركة بين يوروبول وإنتربول أن 20% من جوازات السفر الأجنبية للخيول التي فُحصت في مسالخ أيرلندا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا تحمل علامات تزوير واضحة.
وأسفرت العملية عن ضبط خيول حية ومصادرة أكثر من 17 طنًا من اللحوم، ثم جاءت عام 2023 محاكمة في مرسيليا لثمانية عشر متهمًا من فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا بتهم "الاحتيال المنظم" و"تزوير وغش بضائع تعرض صحة الإنسان للخطر".
سوق سوداء في وضح النهار
أثارت هذه الجريمة القلق بشكل استثنائي بسبب عملها في العلن؛ فالخيول تنقل عبر المنافذ الرسمية بوثائق تبدو سليمة، وتدخل المسالخ بصفتها "مؤهلة" للذبح، ويشتريها المستهلك من رفوف السوبرماركت دون أن يعلم شيئًا.
وقدرت السلطات الإسبانية في قضايا سابقة أن أرباح هذه الشبكات قد تبلغ عشرين مليون يورو سنويًا. أما الطلب المتصاعد على لحوم الخيول في السوق الأوروبية، ولا سيما الفرنسية والبلجيكية، مقابل العجز الحاد في الإمداد المشروع، فيظل المحرك الاقتصادي الذي يبقي هذه التجارة مربحة على الرغم من كل العمليات الأمنية.
اللاعب الخفي.. الخيل كغطاء للتهريب
تكشف وثائق يوروبول عن بعد أكثر إثارة للقلق؛ إذ أشار مسؤولون أمنيون إلى أن شاحنات نقل الخيول تخضع لتدقيق أقل في المنافذ الحدودية، لأن قواعد الرفق بالحيوان من شأنها تقييد توقيف المركبات المحملة بالمواشي.
ويعني ذلك أن الشبكات الإجرامية تستخدم أحيانًا شحنات الخيول غطاءً لتهريب بضائع أخرى، مع ادعاءات بأن بول الخيل يعيق أجهزة الشم المدربة على كشف المخدرات.