النائب د.محمد فؤاد يكتب: من تعبئة الموارد إلى فرملة الدين.. خطوة صحيحة على طريق يجب أن يكتمل
منذ نحو عام ونصف، كتبت مقالًا بعنوان «تعبئة الموارد.. إصلاح ضريبي لا يحتمل التأجيل». وكانت فكرته أن ضعف الإيرادات العامة ليس مجرد مشكلة ضريبية، وإنما نتيجة لطريقة تكوين الاقتصاد المصري نفسه.
فالاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك، الذي يمثل أكثر من 80% من الناتج، بينما تظل معدلات الادخار والاستثمار والإنتاج القابل للتصدير أقل من احتياجات التنمية. وحتى عندما يتحرك الإنتاج، يعتمد جانب منه على مدخلات مستوردة، فتتسرب نسبة من أثر النمو إلى الخارج عبر زيادة الواردات.
في هذا النموذج، تحصل الدولة قرابة نصف إيراداتها الضريبية من السلع والخدمات والاستهلاك. وعندما لا تكفي مواردها الذاتية، تلجأ إلى الاقتراض. ثم تؤدي احتياجاتها التمويلية الكبيرة، إلى جانب بصمتها الواسعة كمالك ومنتج ومنافس، إلى مزاحمة الاستثمار الخاص الذي يُفترض أن يخلق الإنتاج والدخول والصادرات وقاعدة ضريبية أوسع.
وهكذا نعود إلى نقطة البداية: نستهلك، فتحصل الدولة جانبًا كبيرًا من ضرائبها من الاستهلاك، ثم تقترض لأن الحصيلة لا تكفي، ثم تزاحم باقتراضها وبصمتها الاستثمار القادر على توسيع القاعدة الإنتاجية. إنها دائرة تعيد إنتاج نفسها، وليست مجرد مشكلة في أداء مصلحة الضرائب.
ثلاث مشكلات هيكلية
من تكوين الاقتصاد تنشأ ثلاث مشكلات مترابطة. الأولى ضعف تعبئة الموارد؛ فالدولة تحاول تمويل التزامات كبيرة من قاعدة إنتاجية وضريبية محدودة، فتزيد الضغوط على الممولين الحاليين أو تتوسع في الضرائب غير المباشرة والاقتراض.
والثانية هي بصمة الدولة. فهي تطالب القطاع الخاص بالإنتاج والاستثمار وتوليد الوظائف والضرائب، بينما تحتفظ بدور واسع كمالك وممول ومنظم ومنافس. وعندما تتراجع الاستثمارات الخاصة، تضيق القاعدة الضريبية، وعندما تتراكم الخسائر والديون على بعض الكيانات العامة، تعود التزاماتها إلى الخزانة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
أما المشكلة الثالثة فهي الانكشاف الطاقي. فتراجع إنتاج الغاز والبترول حوّل قطاع الطاقة تدريجيًا من مصدر للعملة الأجنبية إلى أحد أكبر مصادر الضغط على الميزان التجاري والاحتياجات التمويلية.
وبحسب أحدث البيانات المنشورة، هبط إنتاج الغاز إلى نحو 3.64 مليار قدم مكعبة يوميًا، وهو من أدنى المستويات منذ عقود، بالتزامن مع ارتفاع الاستهلاك. وأصبحت الدولة مضطرة إلى استيراد الغاز المسال بتكلفة أعلى كثيرًا من الإنتاج المحلي، بما يضغط على الدولار وتكلفة الكهرباء والصناعة والأسعار.

وبعدما حققت تجارة البترول والغاز فائضًا كبيرًا عام 2022، تشير بيانات عام 2025 إلى عجز يقترب من 8.6 مليار دولار. فكل دولار إضافي يُنفق على استيراد الوقود يقلل أثر أي ضبط مالي، وكل مديونية جديدة على هيئات الطاقة قد تعود إلى الخزانة، حتى لو لم تظهر منذ البداية ضمن دين أجهزة الموازنة.
هذه ليست ملفات منفصلة؛ فضعف الإنتاج يحد من الموارد، وبصمة الدولة تزاحم الاستثمار القادر على زيادتها، والانكشاف الطاقي يستنزف ما تحقق منها. والنتيجة مزيد من الاقتراض وأعباء الدين.
إصلاح تنفيذي يستحق الإشادة
هنا يجب التمييز بين مستويين للإصلاح. الأول تنفيذي، يتعلق بكفاءة الإدارة الضريبية والعلاقة مع الممولين، وهو ما تتحمل وزارة المالية مسؤوليته مباشرة. أما الثاني فبنيوي، ويتعلق بشكل الاقتصاد وبصمة الدولة والطاقة والاستثمار، ويتجاوز نطاق الوزارة وحدها. الإشادة بما تحقق في المستوى الأول لا تتعارض مع المطالبة باستكمال المستوى الثاني.
فقد بدأ خطاب وزارة المالية يتحول من الجباية والملاحقة إلى الثقة واليقين الضريبي والامتثال الطوعي وتبسيط الإجراءات. وشهدنا حزمًا من التسهيلات، وتسوية للمنازعات، وتطويرًا للخدمات الرقمية، ومعاملة أبسط للمشروعات الصغيرة، وإتاحة الفرصة أمام الممولين لتصحيح أوضاعهم.
كما تمثل استجابة الوزارة لملاحظات المستثمرين تطورًا مهمًا. فالتراجع عن ضريبة الأرباح الرأسمالية في البورصة، واستبدالها بضريبة دمغة نسبية أبسط، يعكسان إدراكًا بأن الضريبة لا تُقاس بحصيلتها المباشرة فقط، بل بأثرها في الاستثمار والسيولة ونشاط السوق.
وبحسب تصريح عمر رضوان، رئيس البورصة المصرية، ارتفعت أرقام التداول بنحو 50% خلال الأسابيع الستة التالية لإلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية. وهذه ليست حجة لإلغاء الضرائب عمومًا، لكنها دليل عملي على أن تصميم الضريبة قد يوسع النشاط الاقتصادي أو يضيّقه. كما أن وصول الإقرارات الطوعية عن الوحدات العقارية إلى نحو مليون وحدة يؤكد أن التبسيط والرقمنة قد يحققان نتائج أفضل من الملاحقات وحدها.
من خفض نسبة الدين إلى تحرير الموازنة
تتحدث الحكومة عادةً عن خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، وهو مؤشر مهم لقياس قدرة الاقتصاد على تحمله وتتابعه المؤسسات والأسواق. لكنه ليس المؤشر الوحيد، ولا الأكثر اتصالًا بحياة المواطن.
ما يعني المواطن مباشرة هو مقدار ما تلتهمه أعباء الدين من استخدامات الموازنة، وما يتبقى بعدها للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والنقل والمرافق. فالمواطن لا يشعر بتحسن مؤشرات الدين إلا عندما تنعكس في مدارس ومستشفيات وخدمات أفضل.
وبحساب نسب بنود الاستخدامات الواردة في بيانات الموازنة، تتراجع حصة أعباء الدين من نحو 65.4% في 2025/2026 إلى قرابة 63.9% في 2026/2027. وهذا ليس مجرد تحسن محاسبي، بل بداية لتوليد حيز مالي أوسع للإنفاق العام.
التراجع متواضع، واستحواذ أعباء الدين على نحو ثلثي الاستخدامات يظل شديد الخطورة. لكن هذه الحصة ارتفعت من 43.7% عام 2015 إلى 48% عام 2020، ثم تجاوزت 60% خلال السنوات الأخيرة. لذلك فإن وقف صعودها للمرة الأولى خطوة مهمة؛ فعندما تتحرك السيارة في الاتجاه الخطأ، يصبح الضغط على الفرامل ضروريًا قبل تغيير الطريق.
الطريق يجب أن يكتمل
الإصلاح الضريبي الحقيقي لا يعني تحميل الممولين الحاليين أعباء إضافية، بل تغيير شكل الضريبة والاقتصاد معًا: توسيع القاعدة، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وإنهاء الإعفاءات الانتقائية، وتقليل الاعتماد على ضرائب الاستهلاك، مع إفساح المجال أمام الاستثمار والإنتاج.
هنا تلتقي الملفات الثلاثة: بصمة دولة أخف تفسح المجال للاستثمار، والاستثمار يوسع الإنتاج والقاعدة الضريبية، وزيادة إنتاج الطاقة محليًا تخفض فاتورة الاستيراد وتحمي الموارد. عندها تقل الحاجة إلى الاقتراض، وتتراجع أعباء الدين، ويتولد حيز مالي أوسع للتعليم والصحة والخدمات.
ما قامت به وزارة المالية يستحق التشجيع، لكن النجاح لن يُقاس فقط بانخفاض الدين إلى الناتج، بل بما يتحرر من الموازنة لمصلحة المواطن. لقد بدأنا الضغط على الفرامل، وهذه خطوة صحيحة على طريق يجب أن يكتمل. واستكماله يتطلب ألا نكتفي بإدارة نتائج النموذج الاقتصادي، بل أن نغيّر النموذج نفسه.