«من مصر إلى الجزائر».. الصين توسع نفوذها في سوق السلاح الجوي بشمال أفريقيا
ذكرت مجلة أرمادا إنترناشيونال البريطانية المتخصصة في شؤون صناعات الدفاع، أن الصين تتحرك بخطى متسارعة لتعزيز حضورها في سوق القوة الجوية بشمال أفريقيا، في تطور قد يفتح مرحلة جديدة من المنافسة على واحد من أهم أسواق السلاح في القارة السمراء، ويمنح بكين فرصة للاقتراب من المجال الذي ظلت روسيا تتمتع فيه بنفوذ وهيمنة واسعة على مدار عقود.
وتبرز مصر والجزائر في قلب هذا التحول، مع توسع التعاون العسكري الصيني مع القاهرة وظهور مؤشرات على اقتراب الجزائر من الحصول على منظومات جوية صينية متقدمة، في وقت تواجه فيه صناعة الطيران الروسية ضغوطا متزايدة نتيجة الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية.
الصين تعرض أسلحتها الجوية المتقدمة في مصر
ظهر الحضور الصيني بصورة لافتة خلال معرض العلمين الدولي للطيران في مصر، حيث شارك سلاح الجو الصيني بمجموعة من أبرز منظوماته الجوية، بينها طائرة الإنذار المبكر والتحكم المحمول جوا KJ-500، وطائرة النقل والتزود بالوقود جوا YY-20، والمقاتلة متعددة المهام J-16، إلى جانب المروحية البحرية Z-20.
وجاء الظهور الصيني في المعرض في توقيت يحمل دلالة سياسية، بالتزامن مع مرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، بما يعكس اتساع نطاق الشراكة بين البلدين من المجالات الاقتصادية والتجارية إلى التعاون الدفاعي والعسكري.
لكن مشاركة الصين لم تقتصر على عرض الطائرات والمنظومات أمام زوار المعرض، إذ شهدت المناورات المشتركة بين القوات الجوية الصينية والمصرية اختبارا عمليا لقدرات إحدى أهم المنظومات التي عرضتها بكين.
رافال مصر تتزود بالوقود من طائرة صينية
خلال تمرين "نسور الحضارة 2026" المشترك بين القوات الجوية الصينية والمصرية، نفذت طائرة التزود بالوقود YY-20 عمليات تزود جوا لمقاتلات رافال المصرية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن القوات الجوية المصرية لا تمتلك حاليا طائرات مخصصة للتزود بالوقود جوا، ما يجعل مشاركة الطائرة الصينية في هذه المهمة أكثر من مجرد استعراض لقدراتها أمام الجانب المصري.
وتكشف العملية في الوقت نفسه عن مستوى متقدم من التكامل العملياتي بين الطائرات الصينية والمقاتلات المصرية، وتمنح بكين فرصة لعرض قدرات يمكن أن تكون ذات أهمية بالنسبة إلى أي قوة جوية تسعى إلى زيادة مدى عملياتها الجوية وتحسين قدرتها على تنفيذ مهام بعيدة المدى.
الجزائر تقترب من صفقة مقاتلات صينية جديدة
التحول الأكثر أهمية ربما يظهر في الجزائر، التي تبدو أقرب من أي وقت مضى إلى توسيع تعاونها الجوي مع الصين.
ووفقًا للتقرير، تستعد الجزائر لإتمام صفقة صينية تشمل عددا غير معلن من مقاتلات J-10C وطائرات الإنذار المبكر والتحكم الجوي KJ-500، على أن تبدأ عمليات التسليم المتوقعة في عام 2027.
وتمثل الصفقة المحتملة تطورا مهما بالنسبة إلى سلاح الجو الجزائري، خصوصا أن الجزائر لا تمتلك حاليا طائرات إنذار مبكر، بينما تمنحها KJ-500 قدرة متقدمة على اكتشاف وتتبع الأهداف الجوية وتوفير صورة أوسع للمجال الجوي لصالح المقاتلات والقوات الأرضية.
ولا تبدأ العلاقة العسكرية الجزائرية مع الصين من الصفر، إذ تمتلك الجزائر بالفعل طائرات مسيرة صينية من طرازي CH-4 وWing Loong II، ما يشير إلى توسع تدريجي في حضور المعدات الصينية داخل منظومتها الدفاعية.
روسيا لم تخرج من المعادلة
ورغم التقدم الصيني، لا تزال روسيا لاعبا رئيسيا في سوق السلاح الجوي بشمال أفريقيا، وتحديدا في الجزائر، وخلال معرض العلمين الدولي للطيران، عرضت روسيا مقاتلتها Su-57E، النسخة التصديرية من مقاتلتها الشبحية المتقدمة، إلى جانب تسليحها وأنظمتها المرتبطة بها.
وكانت الجزائر قد أبرمت في عام 2024 صفقة للحصول على 12 مقاتلة Su-57E، إلا أن عمليات التسليم شهدت تأخيرا، بالتزامن مع توجه الجزائر أيضا للحصول على عدد محدود من مقاتلات Su-35 الروسية.
وبالتالي، فإن توسع الصين في الجزائر لا يعني في الوقت الحالي أن موسكو فقدت موقعها، بل يكشف عن تحول أكثر تعقيدا يتمثل في تنويع الجزائر لمصادر تسليحها الجوية وعدم الاعتماد على مورد واحد.
منافسة صينية روسية على سماء شمال أفريقيا
المشهد الجديد لا يعني أن دول شمال أفريقيا تدير ظهرها لروسيا، لكنه يشير بوضوح إلى دخول الصين بصورة أعمق في سوق كانت موسكو تتمتع فيه بنفوذ كبير.
واللافت أن الحضور الصيني لا يقتصر على الطائرات المسيرة أو المعدات الأقل تعقيدا، بل يمتد إلى مقاتلات متعددة المهام، وطائرات الإنذار المبكر، وطائرات التزود بالوقود جوا، وهي منظومات ترتبط مباشرة بقدرة الدول على بناء قوة جوية متكاملة.
وتبدو الجزائر مرشحة لأن تكون إحدى أهم ساحات المنافسة الصينية الروسية خلال السنوات المقبلة، خصوصا مع حاجتها إلى تعزيز قدراتها في مجال الإنذار المبكر، واستمرار اعتمادها على الطائرات الروسية، وفي الوقت نفسه توسعها في شراء المنظومات الصينية.
أما مصر، فإن التعاون الذي ظهر خلال معرض العلمين ومن قبله تمرين "نسور الحضارة 2026" يوضح أن بكين تسعى أيضا إلى بناء علاقات عملياتية أكثر عمقا مع واحدة من أكبر القوات الجوية في المنطقة.
وبذلك، فإن ما يحدث في سماء شمال أفريقيا لا يبدو مجرد سباق لبيع مقاتلات جديدة، وإنما بداية منافسة أوسع على منظومة القوة الجوية نفسها، من المقاتلات والطائرات المسيرة إلى الإنذار المبكر والتزود بالوقود جوًا، بما قد يجعل الصين خلال السنوات المقبلة منافسًا أكثر جدية لروسيا في سوق السلاح الجوي الإقليمي.