«رهان على البحر الأسود».. مصر تؤجل مشتريات القمح وسط ارتفاع الأسعار| عاجل
ذكر موقع رابطة الحبوب الأوكرانية، أن مصر لا تبدو في عجلة من أمرها فيما يتعلق بالعودة إلى سوق القمح العالمي في الوقت الراهن، رغم ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط على تجارة الحبوب العالمية.
وأوضح الموقع أن الواردات المصرية شهدت تراجعًا حادًا خلال أغسطس 2026، في خطوة تعكس حسابات دقيقة بين تكلفة الشراء الحالية وما قد تتيحه الأسابيع المقبلة من فرص أفضل، خصوصًا مع اقتراب موسم الحصاد المحلي واستمرار الرهانات على عودة صادرات البحر الأسود.
وتراجعت واردات مصر من القمح خلال أغسطس إلى نحو 680 ألف طن، مقابل 1.29 مليون طن في الشهر نفسه من العام الماضي، كما جاءت الكمية أقل بكثير من متوسط الواردات الشهري البالغ 1.26 مليون طن خلال موسم 2025/2026.
ولا يبدو التراجع مرتبطًا بنقص القمح بقدر ما يرتبط بارتفاع الأسعار وتراجع جدوى الشراء بالنسبة إلى المطاحن التي تعتمد على إعادة بيع الدقيق في الأسواق الخارجية.
زيادة 45 دولارًا للطن تقلب حسابات المستوردين
كانت الأسعار العامل الأكثر تأثيرا في قرار تأجيل مشتريات مصر من القمح الأجنبي، فقد ارتفع سعر القمح الأوكراني الذي يحتوي على 11.5% بروتين، عند التسليم إلى مصر بنظام CIF، بنحو 40 إلى 45 دولارًا للطن خلال شهر واحد، ليصل إلى نطاق يتراوح بين 300 و305 دولارات للطن.
وفي السوق الروسي، ارتفع سعر القمح الذي يحتوي على 12.5% بروتين إلى نحو 298.5 دولارا للطن بنهاية أغسطس، مقابل 282.6 دولارا في مطلع يوليو. وفي الوقت نفسه، ارتفعت العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو بأكثر من 17% منذ بداية يوليو، لتقترب من أعلى مستوياتها منذ يوليو 2023.
هذه الزيادة وضعت المستوردين أمام معادلة صعبة: شراء القمح بأسعار مرتفعة اليوم، ثم محاولة تمرير الزيادة إلى سوق الدقيق، في وقت لا ترتفع فيه أسعار المنتج النهائي بالسرعة نفسها.
المطاحن تضغط زر التوقف
المشكلة لم تعد في سعر القمح وحده، وإنما في الهامش الذي يتبقى بعد تحويله إلى دقيق. فأسعار الحبوب ارتفعت بوتيرة أسرع من أسعار الدقيق، ما أدى إلى انكماش هوامش المطاحن وقلل الحافز الاقتصادي للاستمرار في شراء كميات كبيرة من القمح المستورد.
ولهذا فضلت المطاحن الانتظار بدلا من تحمل تكلفة مخزونات مرتفعة قد تصبح أقل قيمة إذا هبطت الأسعار لاحقا. ويكتسب القرار أهمية خاصة في مصر، حيث يشارك القطاع الخاص بدور رئيسي في استيراد القمح، ما يجعل هوامش الربح عاملا مؤثرا في حركة السوق.
الحصاد المحلي يمنح القاهرة مساحة للمناورة
تمتلك مصر ورقة مهمة تسمح لها بتأجيل جزء من مشترياتها دون الدخول فورا في أزمة إمدادات، فقد بلغت مشتريات الحكومة من القمح المحلي نحو 5 ملايين طن، وهو مستوى قياسي، بينما تشير تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن المخزونات الحكومية تكفي لنحو ستة أشهر.
ويمنح ذلك القاهرة هامشا زمنيا حتى أكتوبر أو نوفمبر، وهو ما يتيح لها مراقبة حركة الأسعار بدلا من الشراء تحت ضغط السوق.
ويأتي هذا في وقت يأمل فيه المستوردون أن تؤدي عودة صادرات البحر الأسود إلى زيادة المعروض وانخفاض الأسعار، بينما تشير تقديرات السوق إلى أن أي اتفاق أو مذكرة تفاهم قد تدفع الأسعار إلى التراجع بنحو 15 إلى 30 دولارا للطن. وفقًا لـS&P Global ووزارة الزراعة الأمريكية.
الرهان على البحر الأسود ليس مضمونًا
لكن الجزء الأكثر حساسية في الحسابات المصرية يتعلق بما إذا كانت موانئ البحر الأسود ستعود إلى العمل بصورة طبيعية أم لا، فقد جاءت أكثر من 82% من واردات مصر من القمح خلال النصف الأول من 2026 من روسيا وأوكرانيا، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة مؤثرا مباشرة في تكلفة الإمدادات المصرية.
ومع استمرار الهجمات على الموانئ والبنية التحتية المرتبطة بتجارة الحبوب، تعطلت عمليات تحميل وشحن، وتراجع استعداد بعض السفن للعمل في المنطقة، لذلك يرى خبراء أن عودة موانئ البحر الأسود إلى مستويات التشغيل الطبيعية قبل نهاية العام ليست أمرا مضمونا، وهو ما قد يبقي الأسعار المرتفعة فترة أطول مما يأمله المستوردون.
الدانوب بتكلفة باهظة
كان من المفترض أن يمثل طريق الدانوب الأوكراني أحد البدائل المهمة أمام المصدرين، إلا أن ارتفاع تكاليف الشحن والازدحام قللا من جاذبيته، فخلال أغسطس وحده، ارتفعت تكلفة نقل القمح من موانئ الدانوب إلى مصر بنحو 32 دولارا للطن، لتصل إلى نحو 100 دولار، في حين تبلغ تكلفة الشحن من ميناء كونستانتسا الروماني إلى مصر نحو 30 دولارًا للطن فقط.
ولم تتوقف الضغوط عند الأسعار؛ إذ تراكمت نحو 100 سفينة في طوابير الانتظار أمام قناة سولينا، مع استمرار زيادة العدد، ما أدى إلى تقليص توافر السفن ورفع تكلفة النقل.
وبالتالي، فإن اللجوء إلى طرق بديلة لتجاوز اضطرابات البحر الأسود لا يعني بالضرورة الحصول على قمح أرخص، وفقًا للجمعية الأوكرانية للحبوب.
وبالنسبة لمصر، تبدو استراتيجية الانتظار مفهومة في ظل امتلاك مخزون محلي مناسب واقتراب موسم الحصاد، لكن استمرار اضطرابات البحر الأسود وارتفاع تكاليف النقل قد يقلب المعادلة إذا طال أمد الأزمة.
ويبقى أمام القاهرة أكثر من خيار، بينها مواصلة مراقبة السوق أو التحول إلى مصادر توريد بديلة مثل أستراليا والأرجنتين وبلغاريا وكازاخستان إذا أصبحت كلفة الانتظار أعلى من كلفة الشراء.