«عاد إلى النار 3 مرات».. ويلز كروثر بطل 11 سبتمبر الذي أنقذ 18 ناجيًا
قبل 25 عامًا، كان ويلز ريمي كروثر واحدًا من آلاف الموظفين الذين بدأوا صباح 11 سبتمبر 2001 في مركز التجارة العالمي بنيويورك، من دون أن يعرف أحد أن اسمه سيصبح لاحقًا مرتبطًا بواحدة من أكثر قصص البطولة المدنية تأثيرًا في تاريخ الهجمات.
كان يبلغ 24 عامًا فقط، يعمل متداول أسهم في شركة ساندلر أونيل وشركاه بالطابق 104 من البرج الجنوبي، لكنه كان يحمل معه خبرة مختلفة تمامًا عن عالم المال؛ فقد أصبح متطوعًا في فرق الإطفاء منذ سن 16 عامًا.
وبعد مرور ربع قرن على الهجمات، عاد اسم كروثر إلى الواجهة من جديد، بعدما منحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسام الحرية الرئاسي بعد وفاته، وهو أعلى تكريم مدني تمنحه الولايات المتحدة، وتسلمت والدته أليسون وشقيقته بيج الوسام نيابة عنه، في مراسم أقيمت بواشنطن قبل الذكرى الـ25 لهجمات 11 سبتمبر.
من موظف في وول ستريت إلى رجل إنقاذ وسط الجحيم
لم يكن كروثر رجل إنقاذ محترفًا عندما ضربت الهجمات نيويورك، لكنه كان قد تدرب لسنوات على التعامل مع الحرائق والطوارئ.
نشأ في نيويورك، وانضم في سن 16 عامًا إلى فرقة إطفاء متطوعة في بلدته، ثم تخرج في كلية بوسطن وانتقل إلى نيويورك للعمل في القطاع المالي.
وكانت هذه الخلفية هي الفارق الحاسم عندما تحول البرج الذي يعمل فيه إلى مصيدة من النار والدخان والركام، فبعد اصطدام الطائرة بالبرج الجنوبي، لم يتصرف كموظف يبحث عن مخرج فحسب، بل استعان بالتدريب الذي تلقاه سابقا وبدأ في البحث عن أشخاص يحتاجون إلى المساعدة.
المنديل الأحمر الذي تحول إلى رمز
وسط الدخان الكثيف، كان كروثر يضع منديلا أحمر على فمه وأنفه لحمايته من الدخان، ولم يكن يعرف في تلك اللحظة أن قطعة القماش البسيطة ستصبح لاحقا العلامة التي تسمح للناجين بالتعرف إليه، وأن اسمه نفسه سيختفي مؤقتا خلف لقب أكثر رسوخا في الذاكرة: الرجل ذو المنديل الأحمر.
وتحتفظ مجموعة متحف ونصب 11 سبتمبر بالمنديل الأحمر الذي كان يملكه كروثر، وهو قطعة قماش حمراء ذات نقوش تقليدية.
وتشير سجلات المتحف إلى أن كروثر كان يعمل في الطابق 104 من البرج الجنوبي، وأنه استخدم المنديل أثناء محاولاته مساعدة المحاصرين بعد اصطدام الرحلة 175 بالبرج.
الطابق 78.. حيث بدأت مهمة المستحيل
بعد اصطدام الطائرة بالبرج الجنوبي، وصل كروثر إلى الطابق 78، حيث كان عشرات الأشخاص محاصرين في منطقة انتظار المصاعد، وسط إصابات بالغة ودخان أسود كثيف وفوضى جعلت العثور على طريق للخروج أمرا بالغ الصعوبة.
هناك ظهر الشاب الذي لم يكن يرتدي زي رجل إنقاذ، لكنه تصرف كما لو كان واحدا منهم. استعان بخبرته السابقة، ووجه الناجين نحو درج واحد كان لا يزال صالحا للاستخدام.
ولم يكتف بقيادة المجموعة الأولى إلى الأسفل؛ فقد حمل امرأة مصابة على ظهره، وساعد الناجين على النزول، ثم عاد مرة أخرى إلى المنطقة الخطرة بحثا عن أشخاص آخرين يحتاجون إلى الإنقاذ.
الأكثر إثارة في قصته أن كروثر لم يدخل منطقة الخطر مرة واحدة فقط، فقد قام بثلاث رحلات إلى الطابق 78، وفي كل مرة كان يعود إلى قلب الدخان والنيران بعدما كان بإمكانه الاستمرار في طريق الهروب.
وتوثق مؤسسة ستوري كوربس، نقلًا عن والديه، أنه ساعد 18 شخصا على الأقل في الخروج من البرج قبل انهياره.
18 ناجيًا.. لكن الرجل نفسه لم يخرج
بينما كان كروثر يكرر محاولاته للوصول إلى العالقين، كان البرج الجنوبي يقترب من لحظاته الأخيرة، ولم يكن يعلم أن عودته الثالثة ستكون الأخيرة.
ولم تكتب النجاة لكروثر من انهيار البرج، وعثر على جثمانه في 19 مارس 2002 في ردهة البرج الجنوبي، بالقرب من مركز قيادة فرق الإطفاء.
وبعد أشهر من الهجمات، كانت عائلته لا تزال لا تعرف التفاصيل الكاملة لما فعله، إلى أن بدأت شهادات الناجين تكشف تدريجيا قصة الشاب الغامض الذي كان يظهر وسط الدخان بمنديل أحمر يغطي وجهه.
9 أشهر من الغموض.. ثم ظهر صاحب المنديل
لم يعرف الناجون في البداية هوية الرجل الذي أنقذهم، كانوا يتذكرون ملامحه وسلوكه أكثر مما يتذكرون اسمه: شاب هادئ، يتحرك وسط الدخان، يرتدي منديلا أحمر ويقود الناس نحو الدرج.
وبعد نحو تسعة أشهر من الهجمات، بدأت القصة تتخذ شكلا أوضح. نشرت صحيفة نيويورك تايمز في مايو 2002 روايات عن الرجل المجهول صاحب المنديل الأحمر، وعندما عرضت صورة كروثر على عدد من الناجين، تعرفوا إليه باعتباره الشخص نفسه الذي ساعدهم على الخروج من البرج.

من ذكرى عائلية إلى إرث للأجيال
لم تنته قصة كروثر عند موته، فقد أسست عائلته مؤسسة خيرية تحمل اسمه، وأصبح المنديل الأحمر جزءًا من إرثه، بينما تواصل المؤسسة مبادرات تستهدف الشباب وتشجع التفوق وخدمة المجتمع والقيادة والتعاطف.
وبذلك، لم يعد كروثر مجرد اسم بين آلاف الضحايا الذين سقطوا في 11 سبتمبر، بل أصبح نموذجا للبطولة المدنية التي خرجت من قلب الكارثة؛ رجل لم يكن في مهمة رسمية، ولم يكن يحمل معدات إنقاذ متقدمة، لكنه امتلك التدريب والشجاعة والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة التي انهارت فيها كل القواعد المعتادة.
بعد 25 عامًا.. أعلى وسام مدني أمريكي
قررت الإدارة الأمريكية منح كروثر وسام الحرية الرئاسي بعد وفاته، وفي المراسم التي أقيمت في واشنطن، استعاد ترامب قصة الرجل الذي ظهر في الطابق 78 وسط الدخان وساعد المحاصرين، قبل أن يطلق تعليقا لافتا عن شهرته قائلا إن الرجل ذو المنديل الأحمر أصبح أكثر شهرة منه.
وما زال المنديل الأحمر محفوظًا في متحف ونصب 11 سبتمبر في نيويورك، قطعة قماش صغيرة نجت من ذلك اليوم، لكنها تحمل قصة أكبر بكثير من حجمها: قصة شاب دخل عالم المال، لكنه عندما جاءت لحظة الاختبار الحقيقية، تصرف كرجل إنقاذ، وعاد إلى النار مرة بعد أخرى، حتى أصبح اسمه واحدا من أكثر رموز البطولة المدنية ارتباطا بذاكرة 11 سبتمبر.