لماذا تراجع ترامب عن لعبة «ابن الجدار»؟
في مفارقة لافتة، لم يصمد «الجدار» هذه المرة أمام أول مواجهة حقيقية، لكن المعركة لم تكن على الحدود الأمريكية المكسيكية، وإنما داخل عالم ألعاب الفيديو.
فبعد أيام قليلة من إطلاق البيت الأبيض لعبة «ابن الجدار»، التي حولت أحد أشهر شعارات دونالد ترامب السياسية إلى لعبة مستوحاة بوضوح من لعبة «تيتريس»، اختفت اللعبة من منصة الألعاب الرسمية للبيت الأبيض، تاركة وراءها جدلًا سياسيًا وقانونيًا حول حدود استخدام الثقافة الشعبية لخدمة الدعاية السياسية، وفقًا لصحيفة "رو ستوري".
لعبة سياسية.. بطابع «تيتريس»
كانت الفكرة بسيطة ومباشرة، تعتمد على قطع تشبه أحجار البناء، وعلى اللاعب أن يقوم بترتيبها لتشييد جدار يحمي الحدود من «الحشد القادم»، وإذا تراكمت القطع بطريقة خاطئة، تظهر رسالة تحذر من اختراق الحدود.
ورغم عدم استخدام اسم «تيتريس» داخل اللعبة، فإن آلية اللعب وشكلها البصري جعلا المقارنة مع اللعبة الشهيرة أمرا لا يمكن تجاهله.
ووضعت «ابن الجدار» ضمن سلسلة ألعاب أطلقها البيت الأبيض تحت اسم «أركيد»، لتحويل أجندة ترامب السياسية إلى تجارب ترفيهية قصيرة بطابع ألعاب الثمانينيات والتسعينيات.
ولم تكن «ابن الجدار» مجرد لعبة، بل كانت جزءا من استراتيجية متعمدة، فالبيت الأبيض قدم منصة الألعاب باعتبارها وسيلة جديدة لسرد إنجازات الإدارة والوصول إلى الأمريكيين بطريقة مختلفة، فيما تناولت الألعاب الأخرى موضوعات مرتبطة بأجندة ترامب، من الهجرة إلى حسابات الادخار للأطفال والصحة والغذاء، وبهذا تحولت السياسة إلى لعبة قابلة للمشاركة والتنافس والانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، وفقا لصحيفة إل باييس.
لماذا دخلت «تيتريس» على الخط؟
لكن المفاجأة جاءت من الجهة التي لم تكن ضمن حسابات البيت الأبيض، فقد سارعت شركة «تيتريس» إلى توضيح أنها لم تشارك في تطوير «ابن الجدار»، ولم تمنح ترخيصا لاستخدام علامتها أو تقنياتها.
والأهم أن الشركة أعلنت أنها تتعامل بجدية مع حقوق الملكية الفكرية، في رسالة فهم منها على نطاق واسع أنها تفتح الباب أمام اتخاذ إجراءات ضد اللعبة إذا لزم الأمر، وفقًا لصحيفة لوموند.
وكان اعتراض الشركة أكثر من مجرد نزاع تجاري حول حقوق استخدام لعبة شهيرة، فقد حرصت «تيتريس» على النأي بنفسها عن الرسالة السياسية للعمل، مؤكدة أن فلسفة اللعبة التي صنعت تاريخا عالميا تقوم على الربط بين الناس وجمعهم، لا على تقسيمهم، وهنا اصطدمت الرسالة السياسية لـ«ابن الجدار» مباشرة بصورة ثقافية عالمية ارتبطت لعقود بالترفيه المشترك أكثر من ارتباطها بأي أيديولوجيا سياسية، وفقا للوموند.
لماذا اختفت اللعبة فجأة؟
بحلول 10 سبتمبر، لم تعد «ابن الجدار» موجودة على منصة الألعاب التابعة للبيت الأبيض، في خطوة أعادت إشعال الجدل حول اللعبة، ولم يتضح بشكل قاطع ما إذا كان البيت الأبيض أزالها استباقا لتجنب نزاع قانوني، أم أن اعتراض «تيتريس» أدى إلى تحرك رسمي، إذ لم تعلن الشركة في ذلك الوقت عن رفع دعوى قضائية، كما لم يقدم البيت الأبيض تفسيرا تفصيليا لعملية الإزالة، وفقا لصحيفة دي فيلت.
وهذا الغموض مهم، لأن اختفاء اللعبة لا يعني بالضرورة أن البيت الأبيض أقر بوجود انتهاك قانوني، لكنه يعني عمليا أن الإدارة قررت أن استمرار اللعبة قد يخلق مشكلة أكبر من قيمتها الدعائية، خصوصا أن الجدل لم يعد يدور حول الهجرة أو الجدار فقط، وإنما أصبح يتعلق بحقوق الملكية الفكرية واستخدام هوية لعبة شهيرة في رسالة سياسية مثيرة للانقسام.
«ريو ران» ينجو من المقصلة
المفارقة أن إزالة «ابن الجدار» لم تعن إنهاء تجربة البيت الأبيض في تحويل سياسات ترامب إلى ألعاب، فما زالت لعبة «ريو ران» موجودة على المنصة، وهي مستوحاة من لعبة «الثعبان»، وتضع اللاعب في دور يقوم بدورية على طول نهر ريو جراندي وملاحقة الأشخاص الذين يحاولون عبور الحدود، مع احتساب عمليات الإمساك باعتبارها عمليات ترحيل، وفقا لرويترز.
وهذا يعني أن البيت الأبيض لم يتراجع عن الفكرة الأساسية المستندة إلى تقديم أجندة ترامب السياسية في صورة ترفيهية، الذي تراجع هو منتج واحد وجد نفسه عالقا بين السياسة وحقوق الملكية الفكرية، بعدما أثار استخدام أسلوب «تيتريس» اعتراضا من أصحاب العلامة.
عندما تتحول السياسة إلى «لعبة»
تكشف القصة أيضًا شيئًا أوسع عن استراتيجية الاتصال السياسي في عهد ترامب، فالإدارة لا تكتفي بالبيانات والمؤتمرات الصحفية والإعلانات التقليدية، وإنما تستعير لغة الإنترنت والألعاب والثقافة الرقمية لتقديم الرئيس وأجندته في صورة أكثر سرعة واستفزازا وقابلية للانتشار.
ووصفت لوموند هذه الاستراتيجية بأنها محاولة للاستفادة من رموز الثقافة الشعبية في المعركة السياسية، مشيرة إلى أن الجدل لم يقتصر على «تيتريس»، بل امتد في سياقات أخرى إلى استخدام شخصيات وعلامات ثقافية دون موافقة أصحاب حقوقها.
وفي حالة «ابن الجدار»، جعلت شهرة «تيتريس» اللعبة نفسها أكثر قدرة على جذب الانتباه، لكنها جعلتها أيضا أكثر عرضة للتدقيق، وفقا للوموند.
الجدار الحقيقي مستمر.. لكن اللعبة سقطت
المفارقة النهائية أن إزالة لعبة «ابن الجدار» لا تعني تراجعا عن سياسة بناء الجدار الحدودي، فعلى العكس، ظل الجدار جزءًا أساسيًا من أجندة ترامب الأمنية والسياسية، الذي انتهى على الأقل مؤقتًا، هو تحويل هذا الشعار إلى لعبة تحاكي أحد أشهر عناوين صناعة ألعاب الفيديو.