«بين إلغاء العقود وحجب الأدوار».. نجوم هوليوود يدفعون فاتورة دعم فلسطين في مواجهة الصهيونية
دخلت الحرب في غزة إلى هوليوود من البوابة التي تعرفها صناعة السينما جيدا، وهي دون شك بوابة الأسماء الكبيرة، والعقود، والوكلاء، والمهرجانات، والجوائز وشاشات التلفزيون. لكن هذه المرة لم يكن الخلاف حول فيلم أو أداء فني، بل حول سؤال أكثر حساسية هو إلى أي مدى يستطيع ممثل أو مخرج أو موسيقي أن يتحدث علنا عن فلسطين، بدون أن يدفع ثمن ذلك من مستقبله المهني وبدون أن يستعدي الأصوات الصهيونية ذات اليد العليا في الصناعة، وفقا لشبكة فوكس نيوز الأمريكية.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، تحولت مواقف الفنانين من الحرب إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل صناعة الترفيه الأمريكية. فبينما رأى فنانون أن الصمت أمام ما يحدث في غزة يتعارض مع مسؤوليتهم الأخلاقية، اعتبرت مؤسسات وشخصيات أخرى أن بعض الخطابات تجاوزت حدود انتقاد حكومة الاحتلال الإسرائيلية إلى معاداة السامية أو تبرير العنف. وبين الموقفين نشأت معركة نفوذ حقيقية حول من يملك حق تحديد الحدود بين التعبير السياسي وخطاب الكراهية، وفقا لمجلة فاريتي المتخصصة في شؤون الترفيه والمشاهير.
وفي سبتمبر 2025، أخذ هذا الصراع شكلا منظما عندما أطلق تجمع "Film Workers for Palestine" تعهدا لمقاطعة مؤسسات سينمائية إسرائيلية اتهمها بالمشاركة في ما وصفه القائمون على المبادرة بالإبادة والفصل العنصري ضد الفلسطينيين. واستندت المبادرة إلى تجربة مقاطعة المؤسسات الثقافية في جنوب أفريقيا خلال عهد الفصل العنصري، واجتذبت أسماء بارزة مثل أوليفيا كولمان، مارك روفالو، تيلدا سوينتون، ريز أحمد، خافيير بارديم وآيو إديبيري. وتوضح المبادرة أن المقاطعة تستهدف المؤسسات وليس الفنانين الإسرائيليين أو اليهود كأفراد. وبحسب الموقع الرسمي للمبادرة، تجاوز عدد المؤيدين لاحقا 8000 من العاملين في السينما.
لم تكن تلك الخطوة بيانا سياسيا من نجوم بعيدين عن مواقع صناعة القرار، بل كان بين الموقعين فنانون من هوليوود، وهو ما منح الحملة وزنا مهنيا مختلفا. خافيير بارديم، على سبيل المثال، قال إن الهدف هو المؤسسات التي يرى المشاركون أنها متورطة في دعم سياسات إسرائيلية، وليس الأشخاص بسبب جنسيتهم أو دينهم أو أصلهم. لكن المعسكر المقابل رأى في المقاطعة خطرا على فكرة التعاون الفني نفسها، واعتبر أن مقاطعة المؤسسات على أساس هويتها الوطنية قد تزيد الانقسام بدلا من إنهائه.
سوزان ساراندون: حين يتحول الموقف السياسي إلى فاتورة ثقيلة
قصة سوزان ساراندون تقدم أوضح صورة عن حجم المخاطر المهنية التي يمكن أن ترافق هذا النوع من النشاط. وكانت الممثلة الحائزة على الأوسكار من أبرز الأصوات الأمريكية المؤيدة للفلسطينيين بعد اندلاع الحرب، وشاركت في فعاليات مؤيدة لفلسطين في نيويورك عام 2023. وبعد تصريحات أثارت جدلا حول الحرب ومعاداة السامية، أنهت وكالة المواهب المتحدة، التي كانت تمثلها منذ سنوات، علاقتها بها.
لكن ساراندون قالت، خلال مهرجان فينيسيا، إن المشكلة لم تتوقف عند خسارة وكيل أعمال. فقد كشفت أن أدوارا سينمائية سحبت منها في الفترة الأخيرة، وأن وكالات لا تزال، بحسب روايتها، تحذر جهات إنتاج من توظيفها. المفارقة التي عرضتها الممثلة كانت لافتة: في الوقت الذي ترى فيه أن النقاش العام الأمريكي حول فلسطين تغير وأن الجمهور أصبح أكثر اطلاعا على خلفيات الحرب والعلاقة بين واشنطن وإسرائيل، تقول إن مراكز القوة داخل صناعة السينما لا تزال أكثر تحفظا تجاه الفنانين الذين ينتقدون إسرائيل علنا.
وحملت ظهور ساراندون في فينيسيا دلالة إضافية. فقد وجدت لنفسها مساحة في إنتاج أوروبي، من خلال فيلم "The Echo Chamber" للمخرج أندريا بالاورّو، وقالت إن الدعم الذي تلقته خارج الولايات المتحدة جعلها تشعر بأنها أكثر ترحيبا. وبذلك أصبحت تجربتها مثالا على اتساع الفجوة بين قطاع من الجمهور العالمي وبين مراكز القوة التقليدية في هوليوود.
ميليسا باريرا: منشور على إنستجرام يغير مسار فيلم
كانت ميليسا باريرا من أوضح الحالات التي انتقل فيها الخلاف حول غزة مباشرة إلى موقع العمل. ففي نوفمبر 2023، استبعدتها شركة سبايغلاس ميديا من بطولة "Scream 7" بعد منشورات عبرت فيها عن مواقف حادة تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة، ووصفت ما يحدث للفلسطينيين بأنه إبادة وتطهير عرقي، كما شاركت مواد اعتبرتها الشركة معادية للسامية أو مشوهة للمحرقة.
وقالت الشركة في ذلك الوقت إنها تتبنى سياسة عدم التسامح مع معاداة السامية أو التحريض على الكراهية، بينما ردت باريرا بأن انتقاد حكومة أو سياسات دولة لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام الشخص بكراهية شعب أو دين بأكمله. القضية لم تكن مجرد خلاف على منشور؛ فقد كشفت إلى أي مدى يمكن لمنصة اجتماعية شخصية أن تصبح امتدادا للعقد السينمائي، وأن يتحول الموقف السياسي إلى عامل في تقرير استمرار الممثل داخل إنتاج ضخم.
هانا آينبيندر تنقل فلسطين إلى مسرح الإيمي
في سبتمبر 2025، انتقلت القضية إلى واحدة من أكثر المنصات الأمريكية جماهيرية: حفل توزيع جوائز الإيمي. بعد فوز هانا آينبيندر بجائزة أفضل ممثلة مساعدة في مسلسل كوميدي عن "Hacks"، أنهت خطابها بعبارة سياسية تضمنت الدعوة إلى تحرير فلسطين وانتقاد وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية.

وكانت اللحظة قصيرة، لكنها شديدة الرمزية. آينبيندر لم تكن في مظاهرة أو مقابلة سياسية، بل على منصة احتفالية يتابعها جمهور عالمي، وهي ترتدي أيضا دبوسا مرتبطا بحملة Artists4Ceasefire. وفي وقت لاحق، شرحت موقفها من زاوية شخصية ودينية، مؤكدة أنها تفرق بين اليهود واليهودية من جهة، وإسرائيل وسياساتها من جهة أخرى.
هذا النوع من المواقف يوضح تغير طبيعة المواجهة. فالفنان لم يعد مضطرا إلى تنظيم مؤتمر صحفي أو الظهور في مسيرة كي يدخل النقاش السياسي؛ جائزة، أو مقابلة، أو سجادة حمراء، أو منشور على منصة اجتماعية يمكن أن يتحول في دقائق إلى موقف عام له تبعات تجارية ومهنية.
"صوت هند رجب": عندما يدخل الضحايا إلى قلب السينما
إذا كانت بعض معارك هوليوود دارت حول تصريحات النجوم، فإن السينما نفسها أصبحت ساحة للصراع على الرواية. فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية نقل قصة طفلة فلسطينية إلى قلب المشهد السينمائي العالمي.
يستند الفيلم إلى قصة هند رجب، الطفلة الفلسطينية ذات الستة أعوام التي قتلت في يناير 2024 داخل سيارة عائلتها بعد مقتل أفراد من أسرتها، بينما كانت تتحدث هاتفيا مع الهلال الأحمر الفلسطيني طالبة النجدة. وتحولت المكالمة التي سبقت وفاتها إلى واحدة من أكثر الشهادات المأساوية المرتبطة بالحرب في غزة.
وعندما عرض الفيلم في مهرجان فينيسيا، حظي باستقبال لافت وتصفيق طويل، وشارك في إنتاجه أسماء بارزة مثل براد بيت، خواكين فينيكس، روني مارا، ألفونسو كوارون وجوناثان غليزر. وقالت بن هنية إن المشكلة بالنسبة إليها ليست فقط في عدد الضحايا، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يتحول بها القتيل الفلسطيني في التغطية الإعلامية إلى رقم بلا وجه ولا قصة. السينما، في تصورها، تستطيع إعادة الاسم والصوت والوجه إلى الشخص الذي فقد حياته.
وهنا تتجاوز القضية حدود هوليوود التقليدية. فالمنافسة لم تعد فقط بين فنان مؤيد لفلسطين وفنان مؤيد لإسرائيل، بل أصبحت أيضا منافسة بين روايات بصرية مختلفة للحرب: من يروي القصة، ومن يظهر في الصورة، ومن يتحول إلى بطل أو ضحية، ومن يبقى رقما في خبر عاجل.
روجر ووترز: الموسيقى تدخل المواجهة
في الموسيقى، كان روجر ووترز من أكثر الشخصيات الغربية صراحة في دعم القضية الفلسطينية وانتقاد إسرائيل. تبنى لسنوات الدعوة إلى المقاطعة الثقافية، وظهر في مناسبات عديدة مرتديا الكوفية الفلسطينية، وربط موقفه من فلسطين بمواقف أوسع من سياسات القوى الغربية.

وفي يناير 2024، أنهت شركة BMG تعاقدها مع ووترز، بعد جدل واسع حول تصريحاته بشأن إسرائيل والحرب في غزة، وكانت الشركة قد تراجعت أيضا عن خطط لإعادة إصدار ألبوم "The Dark Side of the Moon". وانتقدت منظمات يهودية، بينها رابطة مكافحة التشهير واللجنة اليهودية الأمريكية، بعض تصريحاته، بينما نفى ووترز مرارا اتهامه بمعاداة السامية، وقال إن انتقاداته موجهة إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية وليس إلى اليهود كجماعة دينية أو عرقية.
ولم يتراجع الفنان عن موقفه بعد الخلاف مع الشركة، بل واصل المشاركة في فعاليات لدعم الفلسطينيين، بينها حملة "Live for Gaza"، إلى جانب فنانين مثل توم موريلو وبرايان إينو. وفي الوقت نفسه، برز فنانون آخرون مثل ماكلمور بأغان ومواقف داعمة للفلسطينيين، ما جعل القضية حاضرة بقوة في المشهد الموسيقي العالمي.
بيلا حديد: السياسة تصل إلى عالم الموضة
الضغط لم يقتصر على السينما والموسيقى. عارضة الأزياء بيلا حديد، التي تتحدث علنا عن أصولها الفلسطينية، واجهت هي الأخرى تبعات تجارية بسبب مواقفها السياسية. وفي إحدى أبرز الوقائع، تعرضت لحملة انتقادات مرتبطة بظهورها في حملة إعلانية لشركة أديداس، بعد اعتراضات من الجانب الإسرائيلي على ارتباط الحملة بتاريخ سياسي حساس.
ويبدو أن القضية الفلسطينية دخلت إلى غرف الاجتماعات التي تحدد من يحصل على الدور، وإلى المسارح التي توزع الجوائز، وإلى المهرجانات التي تصنع سمعة الأفلام، وإلى المنصات التي يحدد عليها النجوم مواقفهم. ومن هناك، لن يكون من السهل إخراجها مرة أخرى.