رغم ابتعادها عن المواجهة.. هل تنجو أفريقيا من تداعيات الحرب الإيرانية؟
رغم أن أفريقيا تقع خارج الجغرافيا المباشرة للحرب الإيرانية، فإن القارة ليست بمنأى عن ارتداداتها، فاضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع مخاطر الملاحة، وتغير مسارات التجارة، إلى جانب التداعيات الأمنية والدبلوماسية، قد تصل إلى الاقتصادات الأفريقية حتى من دون انخراطها في المواجهة.
ووفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية، يتوقف حجم التأثير على مدى اتساع الحرب وطول أمدها، وقدرتها على الانتقال من صراع إقليمي إلى أزمة تطاول النظام الاقتصادي والأمني العالمي، خصوصًا أن عددًا من الدول الأفريقية يرتبط بصورة مباشرة بالممرات البحرية الممتدة عبر البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.
علاقات تمتد لما وراء الحرب
ليست علاقة إيران بأفريقيا وليدة الأزمة الحالية، فمنذ عهد الشاه محمد رضا بهلوي، نظرت طهران إلى القارة باعتبارها مجالا مهما لبناء النفوذ، مستفيدة من موجة الاستقلالات الأفريقية وتنافس القوى الدولية على الشراكات الجديدة.
وكان الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي من أبرز حلفاء إيران، بينما شكل مؤتمر أديس أبابا عام 1963 وزيارة الشاه إلى إثيوبيا عام 1968 محطتين بارزتين في تطوير العلاقات.
وخلال طفرة النفط في سبعينيات القرن الماضي، توسعت الاستثمارات والمساعدات والمشاريع الإيرانية في أفريقيا، وتعززت العلاقات مع جنوب أفريقيا إلى حد أن إيران كانت توفر أكثر من 90 في المئة من وارداتها من النفط الخام عام 1978.
لكن ثورة 1979 قلبت المعادلة. فقد قطعت إيران علاقاتها مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وفرضت عليه مقاطعة نفطية وتجارية، ودعمت حركات التحرر.
وبعد سقوط نظام الأبارتهايد، استؤنفت العلاقات عام 1994، ثم زار الرئيس الإيراني علي أكبر هاشمي رفسنجاني جنوب أفريقيا عام 1996 والتقى نيلسون مانديلا.
وفي عهد محمود أحمدي نجاد، عادت أفريقيا إلى صدارة التحرك الإيراني، ضمن سياسة تستهدف تعزيز علاقات طهران مع دول الجنوب العالمي، وشملت الجولة الأفريقية عام 2009 كينيا وجيبوتي وجزر القمر، إلى جانب تنامي العلاقات مع السودان والسنغال.
ثم تراجعت الأولوية الأفريقية نسبيا خلال عهد حسن روحاني، قبل أن يستعيدها إبراهيم رئيسي، ففي يوليو 2023 زار كينيا وأوغندا وزيمبابوي، في أول جولة لرئيس إيراني إلى أفريقيا منذ أكثر من عقد.
وفي 2025 استضافت طهران مؤتمر التعاون الاقتصادي الإيراني الأفريقي الثالث بمشاركة أكثر من 50 دولة أفريقية.
مواقف بلا جبهة موحدة
مع اندلاع الحرب، لم تتبن الدول الأفريقية موقفًا موحدًا، فجنوب أفريقيا انتقدت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ودعا الرئيس سيريل رامافوزا إلى احترام القانون الدولي وتسوية النزاعات عبر التفاوض، قبل أن ترحب بريتوريا بوقف إطلاق النار.
وفي السنغال، انتقد رئيس الوزراء عثمان سونكو الضربات ودافع عن التعددية، بينما دعت نيجيريا إلى خفض التصعيد واحترام ميثاق الأمم المتحدة وسلامة أراضي الدول.
في المقابل، أعلنت السودان تضامنها مع دول الخليج، خصوصا السعودية، فيما دان رئيس تشاد محمد إدريس ديبي إتنو الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وحافظت غانا وغامبيا على مواقف حذرة ركزت على القانون الدولي، في حين تحركت مصر دبلوماسيا لدعم جهود التهدئة.
أما الاتحاد الأفريقي، فدعا إلى ضبط النفس والحوار، محذرا من انعكاسات الحرب على الطاقة والأمن الغذائي والاقتصادات الأفريقية، كما دان الهجمات الإيرانية على دول الخليج.
البحر الأحمر نقطة الخطر
يتجاوز تأثير الحرب حدود المواقف السياسية إلى الجغرافيا الاستراتيجية، فالبحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب تمثل شريان اتصال حيويا بين أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، وأي اضطراب فيها يرفع تكاليف الشحن والطاقة والسلع والأسمدة.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر بالنسبة إلى مصر والسودان وجيبوتي والصومال وإثيوبيا، في ظل التهديدات التي تواجه حركة الملاحة، والارتباط بين الصراع الإيراني والعمليات الحوثية في المنطقة.
ولا تتوقف المخاطر عند شرق القارة. ففي دول الساحل، يمكن أن تؤدي صدمات أسعار الطاقة والغذاء إلى مضاعفة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، خصوصا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
طهران تبحث عن مساحة للمناورة
في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية، تحاول إيران الحفاظ على علاقاتها الأفريقية، وفي 23 يونيو نقل سفيرها لدى إثيوبيا والممثل الدائم لدى الاتحاد الأفريقي علي أكبر رضائي رسالة من وزير الخارجية عباس عراقجي إلى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، مؤكدا التزام طهران بتطوير التعاون.
لكن الدول الأفريقية تبدو حريصة على عدم تحويل علاقاتها مع إيران إلى عبء أمني أو اقتصادي. ولذلك يرجح أن تواصل سياسة تنويع الشركاء ومصادر الطاقة والممرات التجارية، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف.
وفي هذا السياق، قد يصبح النفوذ الإيراني أكثر اعتمادا على التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والدبلوماسية، بدلا من الخطاب السياسي وحده.
وبينما تظل احتمالات النشاط الأمني الإيراني غير المباشر محل متابعة، فإن السيناريو الأرجح لا يتمثل في فتح جبهة جديدة داخل أفريقيا، بل في تحول القارة إلى ساحة لاختبار قدرة طهران على الحفاظ على نفوذها، وقدرة الدول الأفريقية على تجنب دفع كلفة صراع لا يخصها.