< معبد فيلة.. قصة إنقاذ أثرية أنقذت أحد أهم معابد مصر القديمة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

معبد فيلة.. قصة إنقاذ أثرية أنقذت أحد أهم معابد مصر القديمة

الرئيس نيوز

في مدينة أسوان، يقف معبد فيلة شاهدًا على واحدة من أبرز قصص الإنقاذ الأثري في التاريخ الحديث، بعدما كان مهددًا بالغرق تحت مياه نهر النيل. وكان الموقع مخصصًا لعبادة الإلهة إيزيس، إلهة السحر والشفاء والأمومة، التي لجأت إليها نساء كثيرات قديمًا أملًا في تعزيز الخصوبة والقدرة على الإنجاب.

ورغم شيوع اسم معبد فيلة، فإن الموقع لا يمثل مبنى واحدًا، وإنما يضم مجمعًا كاملًا من الصروح والمنشآت الدينية التي تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة.

ويُعد كشك نختنبو أقدم المنشآت الموجودة في الموقع، ويرجع إلى عهد الملك نختنبو الأول، بينما أُضيفت منشآت أخرى خلال العصرين البطلمي والروماني، وفقًا لما أوردته صحيفة «سكاي هيستوري».

معبد فيلة من طهارقا إلى العصر البطلمي

يرتبط اسم معبد فيلة بجزيرة فيلة التي شُيد عليها المعبد في الأصل بالقرب من الشلال الأول لنهر النيل.

وتشير الأدلة الأثرية إلى أن أول مبنى ديني في الموقع أُقيم خلال عهد الملك طهارقا (690-664 قبل الميلاد)، إلا أن المبنى الذي يرجع إلى هذه الفترة لم يعد موجودًا حتى الوقت الحالي.

أما غالبية الهياكل الأثرية التي يمكن رؤيتها اليوم، فقد شُيدت بعد غزو الإسكندر الأكبر المقدوني لمصر، وبداية العصر البطلمي، الذي بدأ عندما تولى بطليموس، أحد قادة الإسكندر، حكم مصر كفرعون في نحو عام 305 قبل الميلاد.

وسعت الأسرة البطلمية، رغم أصولها الأجنبية، إلى كسب دعم المصريين من خلال احترام التقاليد والمعتقدات الدينية المصرية القديمة.

أبرز منشآت معبد إيزيس في فيلة

تعود أقدم أجزاء المعبد الرئيسي، المعروف باسم معبد إيزيس، إلى عهد نختنبو، قبل أن يشهد توسعات كبيرة خلال العصر البطلمي.

كما ارتبط تطوير معبد حتحور بالفرعونين بطليموس السادس فيلومتور وبطليموس الثامن يورجيتيس الثاني، وهو ما يعكس تعدد مراحل البناء والتوسع التي مر بها مجمع فيلة عبر العصور.

كيف أثرت روما على معبد فيلة؟

تولت كليوباترا السابعة الحكم عام 51 قبل الميلاد، وكانت آخر حكام المملكة البطلمية.

وبعد وفاتها عام 30 قبل الميلاد، عقب هزيمة مارك أنطونيو عسكريًا أمام القائد الروماني أوكتافيان، أصبحت مصر ولاية رومانية.

ورغم انتهاء الحكم البطلمي، استمر الاهتمام بمعبد فيلة خلال العصر الروماني، إذ أضاف عدد من الأباطرة الرومان، ومن بينهم أغسطس وهادريان وتراجان، منشآت ونقوشًا جديدة إلى الموقع.

معبد فيلة ومكانته لدى النوبيين

ساعد موقع أسوان بالقرب من الحدود الجنوبية لمصر القديمة على زيادة أهمية معبد فيلة، إذ أصبح مقصدًا للمصلين من جانبي الحدود.

وبعد السيطرة الرومانية على مصر، واصل الحجاج القادمون من النوبة، الواقعة جنوب مصر، دعم المعبد، واستمروا في زيارته للمشاركة في الاحتفالات الدينية وأداء الطقوس، وهو ما ساهم في استمرار نشاط الموقع لفترة طويلة.

نهاية العبادة القديمة في معبد فيلة

مع انتشار المسيحية في مصر خلال قرون الحكم الروماني، بدأ معبد فيلة يفقد دوره باعتباره مركزًا للعبادة المصرية القديمة.

وأُعيد استخدام أجزاء من الموقع بما يتناسب مع العقيدة المسيحية، وشُيدت داخله كنائس جديدة.

ويتميز معبد فيلة بأهمية خاصة بالنسبة لدراسة الكتابة المصرية القديمة، إذ تشير المعلومات الواردة إلى أن آخر نقش هيروغليفي معروف كُتب في المعبد عام 394 ميلاديًا، بينما يعود آخر نقش ديموطيقي معروف في الموقع إلى عام 452 ميلاديًا.

معبد فيلة تحت تهديد مياه النيل

مع بداية العصر الفيكتوري، أصبح معبد فيلة مقصدًا سياحيًا شهيرًا للأثرياء البريطانيين، في ظل انتشار حالة من الاهتمام بالحضارة المصرية القديمة عُرفت باسم «هوس الفراعنة».

وكانت الروائية أميليا إدواردز من بين الشخصيات التي أبدت اهتمامًا كبيرًا بالموقع والحضارة المصرية القديمة.

لكن المعبد واجه لاحقًا تهديدًا خطيرًا بسبب إنشاء مشروعات السدود على نهر النيل.

فقد شُيد سد أسوان المنخفض عام 1902، ثم جاء بناء السد العالي في ستينيات القرن العشرين، ما أدى إلى تعرض معبد فيلة للغرق بالمياه لفترات طويلة.

نقل معبد فيلة إلى جزيرة أجيليكا

مع تزايد خطر المياه والطمي على آثار فيلة، اتُخذ قرار بإنقاذ المعبد ونقله إلى موقع أكثر ارتفاعًا وأمانًا.

واختيرت جزيرة أجيليكا لتكون الموقع الجديد للمعبد، وتقع على بعد نحو 500 متر من جزيرة فيلة الأصلية.

وكان مشروع نقل معبد فيلة من أكثر مشروعات الإنقاذ الأثري طموحًا، إذ جرى تفكيك نحو 40 ألف كتلة حجرية، مع ترقيم كل قطعة منها، قبل إعادة تجميع المعبد بالكامل في موقعه الجديد.

ونُفذ المشروع بناءً على طلب الحكومة المصرية وبمشاركة منظمة اليونسكو خلال سبعينيات القرن الماضي، ضمن جهود دولية لإنقاذ الآثار المهددة بسبب مشروعات السدود.

معبد فيلة ضمن التراث العالمي لليونسكو

بعد إعادة تجميعه في جزيرة أجيليكا، أصبح معبد فيلة واحدًا من أشهر المواقع الأثرية والسياحية في أسوان.

كما أُدرج الموقع ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، ليظل شاهدًا على الحضارة المصرية القديمة وعلى واحدة من أكبر عمليات إنقاذ الآثار في العصر الحديث.

معبد فيلة.. حضارة نجت من الغرق

تلخص قصة معبد فيلة رحلة طويلة عبر التاريخ، بدأت بعبادة الإلهة إيزيس، مرورًا بعصور الفراعنة والبطالمة والرومان، وصولًا إلى العصر الحديث الذي شهد تعرض الموقع لخطر الغرق بسبب مياه السدود.

ومن كشك نختنبو والمنشآت البطلمية والرومانية، إلى عملية تفكيك عشرات الآلاف من الكتل الحجرية وإعادة تركيبها، أصبح فيلة نموذجًا بارزًا لقدرة الإنسان على حماية التراث الحضاري.

واليوم، يقف المعبد بجدرانه ونقوشه المعاد تجميعها على جزيرة أجيليكا، ليقدم مثالًا واضحًا على أن إنقاذ التراث الإنساني يمكن أن يتحقق عندما تتكامل الإرادة السياسية مع التخطيط الهندسي والجهود الدولية.