< السيولة تتراجع لأول مرة منذ 9 سنوات.. هل اقترب خفض الفائدة في مصر؟| عاجل
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

السيولة تتراجع لأول مرة منذ 9 سنوات.. هل اقترب خفض الفائدة في مصر؟| عاجل

الرئيس نيوز

كشفت بيانات البنك المركزي المصري لشهر يونيو عن تطور نادر، تمثل في تراجع مؤشر السيولة المحلية للمرة الأولى منذ نحو 9 سنوات، في تحرك اعتبره بعض المصرفيين انعكاسًا لنجاح السياسة النقدية المتشددة في كبح السيولة والضغوط التضخمية، وربما مؤشرًا على اقتراب استئناف دورة خفض أسعار الفائدة.

لكن التعمق في مكونات البيانات يرسم صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ جاء تراجع السيولة رغم ارتفاع الودائع بالعملة المحلية والعملات الأجنبية، ما يجعل حركة سعر الصرف عنصرًا أساسيًا في تفسير هذا الانخفاض.

ماذا نعني بالسيولة المحلية؟

يقصد بالسيولة المحلية هنا المعروض النقدي الواسع "M2"، الذي يشمل النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي، والودائع بالعملة المحلية، إلى جانب الودائع بالعملات الأجنبية بعد تحويل قيمتها إلى الجنيه المصري.

وتراجع مؤشر M2 بنحو 0.4% على أساس شهري خلال يونيو، ليصل إلى نحو 15.26 تريليون جنيه، لكنه ظل مرتفعًا بنسبة 16.7% مقارنة بمستواه في الشهر نفسه من العام الماضي.

وهنا تبرز أهمية سعر الصرف في قراءة البيانات. فارتفاع قيمة الجنيه أمام الدولار يؤدي إلى انخفاض القيمة المحاسبية للودائع الدولارية عند تحويلها إلى العملة المحلية، حتى إذا لم يسحب العملاء أي أموال من حساباتهم.

وهذا تحديدًا ما حدث خلال يونيو؛ فبالتزامن مع تراجع متوسط سعر الدولار من نحو 52.33 جنيه في مايو إلى 49.28 جنيه، ارتفع إجمالي الودائع بالعملات الأجنبية لدى البنوك، باستثناء البنك المركزي، بنسبة 1.2% على أساس شهري، ليصل إلى 66.24 مليار دولار.

لكن عند تحويل هذه الودائع إلى الجنيه، تراجعت قيمتها نتيجة ارتفاع سعر العملة المحلية، ما ساهم في انخفاض إجمالي السيولة المقاسة بالجنيه، وفقا للشرق بلومبرج.

ارتفاع الودائع المحلية

في المقابل، ارتفعت الودائع بالعملة المحلية بنسبة 1.7% لتصل إلى نحو 10.35 تريليون جنيه، بينما ساهم انخفاض النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي في الضغط على السيولة، بعدما تراجع بنحو 88 مليار جنيه خلال الشهر.

وبالتالي، فإن ارتفاع الودائع بالعملات الأجنبية عند قياسها بالدولار، بالتزامن مع زيادة الودائع بالجنيه، لا يشيران إلى انكماش فعلي في الودائع أو إلى عمليات سحب واسعة للسيولة من الجهاز المصرفي.

وقال محمد أبو باشا، رئيس وحدة تحليل الاقتصاد الكلي في بنك الاستثمار "إي إف جي هيرميس"، إن تقلبات سعر الصرف خلال فترة الحرب انعكست بصورة مباشرة على أرقام السيولة المحلية، نظرًا إلى أن جزءًا من الودائع المصرفية مقوّم بالدولار.

وأوضح أن ارتفاع قيمة الجنيه يؤدي إلى خفض القيمة المسجلة لهذه الودائع عند تحويلها إلى العملة المحلية، ولذلك فإن انخفاض المعروض النقدي في يونيو "ليس تراجعًا حقيقيًا" بقدر ما يعكس حركة سعر الصرف.

ويتفق هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في "الأهلي فاروس"، مع هذا التفسير، معتبرًا أن إعادة تقييم الودائع بالعملات الأجنبية كانت عاملًا رئيسيًا وراء انخفاض السيولة، مشيرًا إلى أن الودائع بالجنيه لم تشهد تراجعًا فعليًا.

هل يستهدف البنك المركزي "M2" مباشرة؟

لا يعمل البنك المركزي المصري حاليًا وفق نظام يستهدف مستوى محددًا للمعروض النقدي الواسع أو معدل نمو ثابت له باعتباره الهدف الرئيسي للسياسة النقدية.

ويرتكز الإطار النقدي في مصر على استهداف التضخم، مع استخدام أسعار الفائدة وأدوات إدارة السيولة للتأثير في الائتمان والإنفاق والطلب والأسعار.

قد يلجأ البنك المركزي إلى امتصاص فائض السيولة لدى البنوك بهدف إبقاء أسعار الفائدة قصيرة الأجل عند المستويات التي يراها مناسبة، لكن ذلك لا يعني أن كل انخفاض في M2 يمثل بالضرورة نتيجة مباشرة لعمليات سحب السيولة من جانب البنك المركزي.

ومع ذلك، رصد تقرير صندوق النقد الدولي الأخير بشأن الاقتصاد المصري تباطؤ نمو M2 على أساس سنوي منذ فبراير 2025، باعتباره أحد المؤشرات الداعمة لانحسار المسار التضخمي.

وبحسب التقرير، بلغ متوسط نمو المعروض النقدي 18.9% خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026، مقابل 22.1% في النصف الثاني من 2025، مدفوعًا بصورة أساسية بتراجع مساهمة صافي المطالبات على القطاع العام.

هل يفتح تراجع السيولة الباب أمام خفض الفائدة؟

رغم التحفظات المتعلقة بتفسير بيانات يونيو، يرى بعض المصرفيين أن انخفاض السيولة قد يعكس تحسنًا في قدرة السياسة النقدية على السيطرة على الضغوط التضخمية، وربما يمنح البنك المركزي مساحة أكبر لخفض أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة.

وقال الخبير المصرفي محمد عبد العال إن تراجع السيولة قد يعكس نجاح السياسة النقدية المتشددة في احتواء التضخم، مضيفًا أن استمرار هذا الاتجاه قد يمنح البنك المركزي مساحة لخفض الفائدة.

اعتبرت سحر الدماطي، نائبة رئيس "بنك مصر" الأسبق، أن تراجع السيولة قد يدعم إمكانية خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي مستقبلًا.

ومن شأن خفض الاحتياطي الإلزامي تحرير جزء من الأموال المحتجزة لدى البنك المركزي، بما يمنح البنوك قدرة أكبر على التوسع في الإقراض.

وقد تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة للبنوك في المرحلة الحالية، مع ارتفاع الطلب على التمويل وزيادة نسبة القروض إلى الودائع خلال العامين الماضيين، وهو ما عزز المنافسة بين البنوك على جذب ودائع جديدة بالعملة المحلية.

قراءة شهر واحد لا تكفي

رغم ذلك، فإن الانتقال من قراءة شهرية واحدة للمعروض النقدي إلى توقع خفض أسعار الفائدة يظل استنتاجًا مبكرًا، إذ تعتمد قرارات البنك المركزي على نطاق أوسع من المؤشرات، أبرزها:

مسار التضخم المتوقع.

مستوى أسعار الفائدة الحقيقية.

تحركات سعر الصرف.

أسعار الطاقة والسلع.

قوة الطلب المحلي.

مخاطر عودة الضغوط الخارجية أو الجيوسياسية.

وكان البنك المركزي قد أبقى أسعار الفائدة من دون تغيير في يوليو للمرة الثالثة على التوالي، عند 19% للإيداع، و20% للإقراض، و19.5% لسعر العملية الرئيسية، في ظل استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، إلى جانب حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب.

كما أبقى البنك على تقديراته بأن يقترب التضخم من مستهدفاته خلال النصف الثاني من 2027، رغم تحسن نظرته إلى مسار الأسعار خلال الأشهر الأخيرة.