الذكاء الاصطناعي يعيد ترتيب سوق العمل.. لماذا ترتفع قيمة الحرف والمهن اليدوية؟
لأعوام طويلة، ارتبط النجاح المهني في الوعي الاجتماعي الجماعي بالشهادة الجامعية والوظيفة المكتبية، بينما ظلت الحرف والمهن اليدوية في مرتبة أقل من حيث المكانة والتقدير، غير أن صعود الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر في هذه المعادلة بصورة عميقة، بعدما أصبحت الوظائف التي تعتمد على معالجة النصوص والمعلومات والتحليل والتواصل الرقمي أكثر تعرضًا للأتمتة وإعادة تشكيل المهام، وفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
وتكتسب المهن التي تتطلب وجود العنصر البشري في العالم المادي، واستخدام اليدين، والخبرة المتراكمة، والحكم العملي والمهارات الحسية، قدرًا متزايدًا من الأهمية.
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لن يؤثر فيها، لكنه يجعل استبدال الإنسان بالكامل أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تكون المهارة مرتبطة بموقف مادي متغير لا يمكن اختزاله بسهولة في بيانات.
اليد البشرية تقاوم الأتمتة
تظهر صناعة الأزياء الراقية هذه المفارقة بوضوح، حيث يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج أفكار وتصميمات وصور خلال ثوان، كما أصبح أداة مساعدة في البحث وتطوير المفاهيم واختيار الألوان والخامات، لكن مراحل كثيرة من صناعة القطعة الفعلية لا تزال تعتمد على حرفيين يمتلكون سنوات من التدريب والخبرة.
في التطريز والخياطة، لا تكفي المعرفة النظرية لإنجاز قطعة متقنة؛ فالحرفي يحتاج إلى الصبر والدقة وحساسية التعامل مع الخامة وقدرة على اكتشاف العيوب وتصحيحها أثناء العمل، ومع تراجع أعداد المتخصصين في بعض هذه الحرف، أصبحت الخبرة نفسها أكثر ندرة، وهو ما يرفع قيمتها في قطاعات الأزياء الفاخرة.
ويؤكد مصمم الأزياء طوني ورد أن الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج صور جميلة، لكنه لا يمتلك اللمسة البشرية والعاطفة والغريزة، ولا يستطيع الإحساس بوزن القماش أو التعامل مع حركته على جسم المرأة أو إضافة البعد الشخصي إلى التطريز اليدوي.
الإسكافي يتحول إلى خبير نادر
تقدم مهنة إصلاح الأحذية نموذجًا آخر للتحول في قيمة المهارات اليدوية. ففي مناطق لبنانية عدة، تراجعت أعداد الإسكافيين بصورة كبيرة، وأصبح العثور على حرفي يمتلك الخبرة اللازمة لإصلاح الأحذية والحقائب والأحزمة أمرًا أكثر صعوبة.
ويعمل بعض الحرفيين الذين استمروا في المهنة منذ عقود على إصلاح منتجات فاخرة تصل قيمتها إلى آلاف الدولارات، مستفيدين من خبرتهم في التعامل مع الخامات والجلود والتفاصيل الدقيقة.
ومع ندرة المتخصصين، تغيرت طبيعة السوق؛ فلم يعد الزبون يبحث فقط عن شخص ينفذ إصلاحًا بسيطًا، وإنما عن حرفي موثوق يستطيع الحفاظ على منتج مرتفع القيمة وإعادته إلى حالة قريبة من الأصل.
الكهربائي وعامل التبريد والدهانات.. وظائف لا تختفي عن الشاشة
ينطبق الأمر ذاته على فنيي الكهرباء والتدفئة والتبريد والدهان والصيانة، وهي مهن تتطلب مزيجًا من المعرفة العملية والخبرة الميدانية والقدرة على التعامل مع ظروف لا تتكرر بصورة متطابقة.
وأضافت الإندبندنت أن فني الكهرباء لا يتعامل مع نظام نظري مثالي، وإنما مع تمديدات قديمة أو عيوب مخفية أو أجهزة مختلفة تحتاج إلى تشخيص مباشر، وفني التبريد والتدفئة يواجه أعطالًا تتغير وفق حالة الجهاز ومكان تركيبه وطبيعة المشكلة، أما الدهانات فتحتاج إلى تقدير حالة السطح، واختيار المواد المناسبة، وضبط التفاصيل النهائية.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد هؤلاء في التشخيص أو الوصول إلى المعلومات أو اختيار الحلول، لكنه لا يلغي الحاجة إلى العامل الذي ينفذ المهمة في الموقع.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الوظائف أكثر مما يلغيها
تشير الدراسات الحديثة إلى أن التأثير الأكبر للذكاء الاصطناعي يتركز في الوظائف التي تحتوي على نسبة مرتفعة من المهام الرقمية والقابلة للمعالجة بواسطة البرمجيات.
وأظهرت دراسة لمايكروسوفت أن عددًا من المهن، بينها الكتابة والتحليل وخدمة العملاء والتسويق الهاتفي وبعض الأعمال المعلوماتية، معرض بدرجات مختلفة لتأثير أدوات الذكاء الاصطناعي.
لكن التعرض للتأثير لا يعني بالضرورة اختفاء المهنة بالكامل. فالسيناريو الأكثر شيوعًا يتمثل في أتمتة جزء من المهام، وتقليل الوقت اللازم لإنجازها، ورفع إنتاجية العامل، وإعادة توزيع المسؤوليات داخل الوظيفة.
وهذا التحول يخلق فجوة متزايدة بين المهن التي يمكن تحويل مهامها إلى عمليات رقمية قابلة للتكرار، والمهن التي تتطلب مهارات جسدية وحسية واجتماعية يصعب نقلها بالكامل إلى بيئة افتراضية.
نهاية احتكار الشهادة للقيمة المهنية
التحول لا يعني تراجع أهمية التعليم الأكاديمي، بل يعني أن الشهادة أصبحت عنصرًا واحدًا ضمن مجموعة أكبر من المهارات المطلوبة، فاقتصاد الذكاء الاصطناعي يحتاج أيضًا إلى فنيين ومهندسين وعمال صيانة ومختصين في البنية التحتية والطاقة والتبريد والكهرباء، إلى جانب أصحاب الحرف الذين يمتلكون مهارات عملية نادرة.
ومع توسع مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية عالميًا، تزداد الحاجة إلى أعمال ميدانية تشمل الكهرباء والتبريد والبناء والصيانة والتركيب.
كما أن انتشار الروبوتات والأنظمة الذكية لا يلغي الحاجة إلى البشر القادرين على تركيبها وإصلاحها وتشغيلها في البيئات الواقعية، ولهذا تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى إعادة توزيع للقيمة المهنية منها إلى اختفاء جماعي للوظائف.
عصر جديد للمهارات النادرة
النتيجة الأبرز لصعود الذكاء الاصطناعي أن الندرة أصبحت عنصرًا مهمًا في تحديد قيمة العمل، فالمهارة التي يستطيع ملايين الأشخاص تنفيذها بمساعدة برنامج قد تفقد جزءًا من قيمتها الاقتصادية، بينما قد ترتفع قيمة مهارة لا يستطيع البرنامج تنفيذها في البيئة الواقعية.