< «فخ كيندلبرجر المعكوس».. تحذير من أزمة مالية أمريكية تهز النظام العالمي
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

«فخ كيندلبرجر المعكوس».. تحذير من أزمة مالية أمريكية تهز النظام العالمي

أرشيفية
أرشيفية

قد لا تكون المشكلة الأخطر في الأزمة المالية العالمية المقبلة حجم الانهيار، بل غياب القوة القادرة والمستعدة للتدخل لمنع تحوله إلى كارثة عالمية، هذا هو جوهر تحذير ديفيد لوبين، الباحث البارز في برنامج الاقتصاد والتمويل العالمي لدى المعهد الملكي، تشاتام هاوس، الذي يرى أن الأزمة الأمريكية المقبلة قد تنتج تدفقات ضخمة لرؤوس الأموال إلى الخارج، بدلا من اندفاعها نحو الولايات المتحدة باعتبارها ملاذا آمنا، بما قد يؤدي إلى إضعاف الدولار بصورة حادة.

ويسمي لوبين هذا السيناريو فخ كيندلبرجر المعكوس، استنادا إلى أفكار المؤرخ الاقتصادي تشارلز كيندلبرجر حول الكساد العظيم، فقد رأى كيندلبرجر أن بريطانيا، القوة المهيمنة المتراجعة، لم تعد تملك الموارد اللازمة لقيادة الاقتصاد العالمي، بينما كانت الولايات المتحدة، القوة الصاعدة، غير مستعدة لتحمل المسؤولية بسبب النزعة الانعزالية، وكانت النتيجة غياب نظام تجاري مفتوح، وضعف التنسيق الاقتصادي، وعدم وجود مقرض أخير موثوق للنظام المالي العالمي.

واليوم تنقلب المعادلة؛ فواشنطن تملك القدرة المالية، لكنها قد لا تكون مستعدة لاستخدامها بالطريقة التي استخدمتها في أزمات سابقة، بينما تملك بكين طموحا متزايدا لتغيير النظام لكنها لا تمتلك بعد الأدوات المالية اللازمة لقيادته.

2008.. عندما كانت أمريكا هي المنقذ

كشفت أزمة 2008 حجم التغيير المحتمل، بعد انهيار بنك ليمان براذرز، ضخ الاحتياطي الفيدرالي كميات هائلة من السيولة بالدولار عبر تسهيلات إقراض للبنوك العالمية، خصوصا الأوروبية التي كانت تعتمد بشدة على التمويل بالدولار.

كما قدم برنامج التيسير الكمي دعما مباشرا للأسواق العالمية، إذ كان أكثر من نصف مشتريات الاحتياطي الفيدرالي من الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري قد جاء من مؤسسات أجنبية.

وحصلت 14 مؤسسة نقدية مركزية على سيولة بالدولار عبر خطوط مبادلة مع الاحتياطي الفيدرالي. وبحلول صيف 2010، كان البنك المركزي الأمريكي قد وفر نحو 10 تريليونات دولار بآجال مختلفة.

وكانت واشنطن تدافع عن مصالحها أيضا، لأن انهيار البنوك الأوروبية كان سيجبرها على بيع أصول دولارية بأسعار منخفضة، لكن التدخل عزز في الوقت نفسه الثقة في النظام المالي الأمريكي. وخلال الأشهر الـ12 التالية لانهيار ليمان، اشترى الأجانب ما يقرب من تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية.

أزمة ترامب.. السيولة وفقا للمصلحة؟

يرى لوبين أن الأزمة المقبلة، إذا وقعت خلال عهد ترامب، قد تكون مختلفة. فالإدارة التي تتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقات قد تصبح أكثر انتقائية في تحديد من يستحق الدعم المالي الأمريكي.

ويشير إلى تسهيل مبادلة بقيمة 20 مليار دولار قدمته واشنطن للبنك المركزي الأرجنتيني العام الماضي، في محاولة لدعم البيزو في توقيت سياسي حساس. كما يشير إلى نقاش بشأن خط مبادلة محتمل مع الإمارات، رغم امتلاكها احتياطيات ضخمة من الدولار.

لكن المغزى ليس في هذه الحالات وحدها، وإنما في احتمال تحول شبكة الأمان المالية الأمريكية من أداة لحماية النظام العالمي إلى أداة تستخدم بصورة انتقائية وفقا للحسابات السياسية والاستراتيجية.

سندات الخزانة تفقد حصانتها؟

الخطر الثاني يتعلق بسوق سندات الخزانة الأمريكية، التي تمثل إحدى أهم ركائز النظام المالي العالمي، ويرى لوبين أن تحركات وزير الخزانة سكوت بيسنت الأخيرة تكشف استعدادا متزايدا للتدخل عندما تتحرك الأسواق في اتجاه لا تفضله الإدارة، فقد شجعت واشنطن اليابان على استخدام حيازتها من سندات الخزانة، التي تقترب من تريليون دولار، كضمان للحصول على التمويل اللازم لدعم الين، بدلا من بيع السندات.

كما أعلنت وزارة الخزانة زيادة عمليات إعادة شراء ديونها، وهو ما يراه لوبين مرتبطا أيضا بالرغبة في تجنب أسعار فائدة قد تجعل تكلفة الاقتراض الحكومي الأمريكي أكثر إحراجا.

وتكمن المشكلة في أن التدخل المتكرر قد يضعف آلية اكتشاف الأسعار التي تمنح سوق الخزانة مصداقيتها. وإذا بدأ المستثمرون يشكون في أن العائد على السندات يعكس قوى السوق بالكامل، فقد تتضرر إحدى أهم دعائم الثقة في الأصول الأمريكية.

37 تريليون دولار في مرمى الخروج

هناك عامل أكثر خطورة: الدولار مرتفع القيمة بعد سنوات طويلة من تدفقات رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة.

وخلال 15 عاما، ارتفعت قيمة الأوراق المالية الأمريكية المملوكة للأجانب من نحو 12 تريليون دولار إلى أكثر من 37 تريليون دولار. وساهمت هذه التدفقات في دفع الدولار، بعد احتساب التضخم والأوزان التجارية، إلى مستويات تقترب من أعلى قيمة له خلال ثلاثة عقود.

لذلك، إذا اندلعت أزمة أمريكية كبرى، فقد يحدث العكس تماما من 2008: بدلا من دخول الأموال إلى الولايات المتحدة، قد يبدأ المستثمرون في بيع الأصول الأمريكية وتحويل أموالهم إلى الخارج، ما يضغط بشدة على الدولار.

والمفارقة أن هذا السيناريو قد يتوافق جزئيا مع رغبة ترامب في دولار أضعف لدعم الصادرات الأمريكية. فقد قال في يوليو 2025 إن الدولار القوي يجعل الولايات المتحدة غير قادرة على بيع الجرارات والشاحنات وغيرها من المنتجات.

الصين تريد تغيير النظام.. لكنها لا تستطيع إنقاذه

أما الصين، القوة الصاعدة، فتبدو أكثر استعدادا للمشاركة في إعادة تشكيل النظام العالمي. وتشير مقترحات بكين الجديدة للحوكمة العالمية إلى طموح متزايد لتوسيع نفوذها.

لكن الطموح السياسي لا يساوي القدرة المالية. فاليوان لا يزال محدود الدور في النظام النقدي الدولي، ولا يستطيع حتى الآن توفير شبكة أمان عالمية تضاهي ما يستطيع الدولار والاحتياطي الفيدرالي توفيره.

وهنا يكتمل فخ كيندلبرجر المعكوس، أي أن القوة المهيمنة في واشنطن قد لا ترغب في لعب دور المنقذ العالمي، والقوة الصاعدة في بكين قد ترغب في تغيير النظام لكنها لا تستطيع إنقاذه ماليا.