مصنع مسيرات أوكراني في بريطانيا تحت التهديد الروسي.. إنذار أمني يرفع فاتورة الدفاع
لم تعد الحرب الروسية في أوكرانيا بعيدة عن الأراضي أو الأهداف البريطانية. فمع تصاعد التحذيرات من احتمال استهداف منشآت تنتج طائرات مسيرة لصالح القوات الأوكرانية، وجد مصنع جديد في مدينة ميلدنهال بمقاطعة سوفولك نفسه في قلب نقاشات أوسع حول أمن بريطانيا وقدرتها على حماية بنيتها الدفاعية والصناعية. ولا يتعلق الأمر بمنشأة عسكرية تقليدية، بل بمصنع حديث يمثل جزءا من تحول أوروبي متسارع نحو إنتاج الأسلحة بعيدا عن خطوط المواجهة.
وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية أن المصنع، الذي تديره شركة Ukrspecsystems الأوكرانية، افتتح في فبراير 2026 باستثمار يبلغ نحو 200 مليون جنيه إسترليني، ويستهدف الوصول إلى إنتاج يصل إلى 1،000 طائرة مسيرة شهريا، مع توفير ما يصل إلى 500 وظيفة مباشرة وفي سلسلة الإمداد البريطانية. واختارت الشركة ميلدنهال بسبب موقعها الاستراتيجي، بالقرب من قاعدة RAF Mildenhall، التي تستخدمها القوات الجوية الأمريكية.
تحذير روسي يرفع مستوى الخطر
ودخل المصنع دائرة الاهتمام الأمني بعد تصريحات أندري فيدوروف، نائب وزير الخارجية الروسي السابق والمستشار المرتبط بالكرملين، الذي قال في مقابلة مع برنامج Newsnight على هيئة الإذاعة البريطانية إن مصانع بريطانية تنتج مسيرات لصالح أوكرانيا قد تواجه ردا «شبه عسكري». والأكثر إثارة في تصريحاته أنه تحدث عن احتمال تنفيذ مثل هذه الأعمال بواسطة «مصادر مجهولة»، وليس بالضرورة بواسطة القوات الروسية بصورة مباشرة.
وجاءت التصريحات بعد إعلان بريطانيا استعدادها لتزويد أوكرانيا بالمعلومات الفنية اللازمة لإنتاج مكونات مرتبطة بصاروخ Storm Shadow/SCALP بعيد المدى. واعتبرت موسكو أن الدعم البريطاني العسكري المتزايد لكييف يؤكد انخراط لندن بصورة أعمق في الحرب.
لكن التحذير الروسي لا يعني أن هجوما على المصنع بات وشيكا أو مؤكدا. فلا توجد، حتى الآن، أدلة علنية تثبت وجود خطة روسية محددة لضرب المنشأة. وهذا التفريق مهم، لأن الخطر الذي تواجهه بريطانيا قد لا يأتي في صورة ضربة صاروخية، وإنما عبر أدوات الحرب الهجينة التي تشمل التخريب والهجمات السيبرانية والضغط غير المباشر.
لماذا أصبح مصنع صغير قضية أمن قومي؟
وتكمن أهمية منشأة ميلدنهال في أنها تعكس تغيرا جوهريا في طبيعة الحرب الحديثة. فقد أثبتت الحرب في أوكرانيا أن الطائرات المسيرة لم تعد سلاحا مساعدا على هامش المعارك، وإنما أصبحت مكونا أساسيا في الاستطلاع والاستهداف والهجوم والدفاع.
وتسعى بريطانيا، وفقا لبي بي سي، إلى الاستفادة من هذه الدروس عبر توسيع قدرتها على إنتاج الطائرات المسيرة محليا. وفي يونيو 2026 أعلنت الحكومة البريطانية ضمن خطة الاستثمار الدفاعي عن أكبر استثمار لها في حرب الطائرات المسيرة، يشمل 5 مليارات جنيه إسترليني لمنظومات الضرب والمراقبة والحماية، إلى جانب 150 مليون جنيه إضافية للدفاعات المضادة للمسيرات داخل بريطانيا.
كما خصصت الخطة مئات الملايين لمنظومات غير مأهولة للقوات البرية ومشاة البحرية، في تحول يعكس اقتناع لندن بأن مستقبل الصراع لن تحدده الطائرات المقاتلة والدبابات وحدها، بل أيضا القدرة على إنتاج أعداد ضخمة من الأنظمة الرخيصة والقابلة للتحديث بسرعة.
ومن هذه الزاوية، يصبح مصنع ميلدنهال أكثر من منشأة صناعية. إنه جزء من سلسلة إمداد دفاعية مرتبطة مباشرة بالحرب الأوكرانية، ما يجعله عرضة لمخاطر مختلفة عن تلك التي تواجه المصانع المدنية التقليدية.
من التهديد إلى الحرب الهجينة
وأثار التهديد الروسي أيضا مخاوف سياسية محلية. فقد طالب النائب المحافظ عن منطقة ويست سوفولك، نيك تيموثي، الحكومة بمزيد من الشفافية بشأن الإجراءات الأمنية لحماية مصانع الطائرات المسيرة، بعد تصريحات فيدوروف. وقال إن بريطانيا يجب أن تستعد لأساليب الحرب الهجينة، فيما عبّر مسؤولون محليون عن قلقهم من عدم وضوح طبيعة الإجراءات الحكومية لحماية المنشأة.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن المصنع يقع في محيط منشأة عسكرية أمريكية رئيسية. لكن القرب من قاعدة جوية لا يعني أن المصنع جزء من القاعدة أو أن استهدافه سيكون استهدافا للقاعدة نفسها؛ بل إن موقعه يوضح كيف أصبحت البنية الصناعية والدفاعية الأوروبية أكثر ترابطا منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا.
وكانت بريطانيا قد أعلنت في وقت سابق عن استثمارات ضخمة في قطاع الطائرات المسيرة. كما افتتحت شركة Tekever منشأة كبيرة في سويندون، مع خطط لإنتاج منصات تستخدمها القوات البريطانية، ما يؤكد أن توسيع الإنتاج المحلي أصبح جزءا من استراتيجية دفاعية طويلة الأمد.
لندن أمام معادلة صعبة
المعضلة البريطانية أن زيادة إنتاج الأسلحة محليا أصبحت ضرورة دفاعية، لكنها في الوقت نفسه ترفع قيمة المنشآت الصناعية باعتبارها أهدافا محتملة في أي تصعيد مستقبلي. وكلما زادت قدرة بريطانيا على تصنيع أسلحة تستخدمها أوكرانيا، ارتفع احتمال تعرض تلك البنية التحتية لأشكال من الضغط الروسي.
لكن الرد لا يبدو مرهونا بزيادة الإنفاق وحدها. فالتحدي الحقيقي هو بناء منظومة حماية متكاملة تشمل الأمن المادي، والدفاعات المضادة للمسيرات، والأمن السيبراني، والاستخبارات ومكافحة التخريب.