ترامب وروي كوهين.. كيف شكّل عرّاب السلطة أسلوب الرئيس الأمريكي في السياسة والقانون؟
تعود المفاتيح الأعمق لفهم أسلوب دونالد ترامب في السياسة والأعمال، بحسب تحليلات متعددة، إلى لقائه المحامي روي كوهين عام 1973، حين كان ترامب مطورًا عقاريًا شابًا طموحًا يسعى لترسيخ اسمه في نيويورك، وفقا لما نقلته مجلة ذا أتلانتيك.
وكان كوهين آنذاك بالفعل شخصية سياسية سيئة السمعة، اشتهر اسمه بارتباطه بتدمير السمعة والاتهامات المتهورة والسعي الوحشي للسلطة بأي ثمن، إثر دوره البارز في "المطاردات" الشهيرة خلال حقبة المكارثية.
ووصف أحد التحليلات هذه العلاقة بقوله إنه إذا كان ترامب هو "الهوية السياسية" لأمريكا في القرن الحادي والعشرين، فإن كوهين كان "مخططه العاطفي وعرابه الاستراتيجي".
سلاح لا وسيلة انتصاف.. حين تتحول المحاكم إلى أداة إرهاق
وأجمع الباحثون في سيرة كوهين على أن أبرز دروسه لترامب تمثل في تحويل النظام القانوني بأكمله من وسيلة لتحقيق العدالة إلى سلاح للترهيب؛ إذ علمه كوهين أن الدعاوى القضائية أدوات تخويف لا وسائل لحل النزاعات، فكان يرفع القضايا لا بهدف الفوز بالضرورة، بل للعقاب والمضايقة والإسكات، معتبرًا أن تكلفة التقاضي ومشقته النفسية هي الهدف بحد ذاتها، لا نتيجته القانونية.
ونتيجة لتبني هذا الأسلوب، تورط ترامب لاحقًا في أكثر من 3500 دعوى قضائية طوال مسيرته، وهو رقم غير مسبوق لأي رجل أعمال أو سياسي أمريكي، مستخدمًا المحاكم لإنهاك خصومه الأقل مواردًا مالية بدلًا من السعي الفعلي وراء العدالة.
"الهجوم ثم الهجوم المضاد ولا اعتذار أبدًا".. عقيدة كوهين الأساسية
وتتلخص فلسفة كوهين، وفق ما يصفه محللون سياسيون، في عبارته الشهيرة التي علّمها لترامب: "اهجم، هاجم مضادًا، ولا تعتذر أبدًا".
وتقوم هذه العقيدة على رؤية "محصلتها صفر" للحياة، حيث الفوز هو كل شيء، والفائزون هم المقاتلون الذين يستغلون نقاط ضعف الآخرين ويتلاعبون بهم، عبر التلاعب العلني، والإنكار المعقول، وصياغة الروايات، والسيطرة على وسائل الإعلام.
وحين يتهم أحدهم، كان كوهين يعلم أن الرد الصحيح هو قلب الطاولة على المتهِم نفسه ومقاضاته مضادًا، لا الدفاع أو التراجع مطلقًا.
التلاعب الإعلامي والخوف سلاح مزدوج
ولم تقتصر تعاليم كوهين على الجانب القانوني وحده، إذ كان بارعًا أيضًا في زرع القصص الصحفية واستمالة الصحفيين وافتعال الجدل لخدمة أهدافه، مدركًا أن "الانطباع يتفوق على الحقيقة"، وأن معظم الناس يتذكرون الاتهام لا التراجع عنه لاحقًا.
كما فهم كوهين أن الأشخاص الخائفين، سواء من الشيوعية أو الجريمة أو التغيير الاجتماعي أو "الآخر"، يسهل التلاعب بهم ويكونون أكثر استعدادًا لقبول حلول سلطوية، وهو ما ساعد به السيناتور جوزيف مكارثي في تأجيج جنون "الخوف الأحمر" من الشيوعيين المتسللين داخل أمريكا.
ويرى محللون أن ترامب طور هذا التكتيك ذاته في القرن الحادي والعشرين، عبر تأجيج المخاوف من المهاجرين والمسلمين والجريمة في "المدن الداخلية"، ولاحقًا نظرية مؤامرة "الدولة العميقة"، مع تقديم نفسه دومًا بوصفه الحل الوحيد لهذه التهديدات المرعبة.
نهاية قاسية.. حين تخلى ترامب عن معلمه في أحلك أيامه
وتشير السيرة الشخصية لكوهين إلى مفارقة قاسية تعكس جوهر فلسفته نفسها؛ فحين توفي كوهين في أغسطس 1986 متأثرًا بمضاعفات الإيدز، بعد أن جرد من رخصة مزاولة المحاماة وأصبح مفلسًا تقريبًا من دفع أتعابه القانونية الخاصة، لم يكن ترامب، تلميذه الأبرز، من بين الحاضرين لتشييع جنازته.
يرى مراقبون أن استمرار ترامب في تطبيق دروس كوهين حتى اليوم، من مهاجمة القضاة وعائلاتهم في قضاياه الجنائية، إلى وصف الملاحقات القضائية بأنها "مطاردة ساحرات" ذات دوافع سياسية، يعكس مدى عمق هذا الإرث وتجذّره في شخصيته السياسية والقانونية على مدى أكثر من 50 عامًا منذ لقائهما الأول.
وتختتم إحدى الدراسات، وفقا للمجلة الأمريكية، هذا التحليل بملاحظة تفاؤلية مستمدة من كوهين نفسه، الذي كتب في مذكراته أن "لا رجل عام يمكن أن ينجو إلى الأبد وهو في قلب الجدل"، فهل ستنطبق المقولة ذاتها، التي وصفت مصير كوهين نفسه، يومًا على تلميذه الأشهر، دونالد ترامب، أيضا.