طعام ملوث وأرباح بالمليارات.. ذيل الفساد الطويل يطارد المستهلك الأمريكي
لم يعد الخوف من الطعام الملوث في الولايات المتحدة مرتبطًا بحادثة منفردة أو منتج واحد تقرر الجهات الرقابية سحبه من الرفوف، بل تحول خلال هذا الصيف إلى أزمة متصاعدة شملت الخضروات والبيض والفلفل والمنتجات الجاهزة.
وشهد الأسبوع الممتد بين 14 و20 أغسطس الجاري وحده استدعاء إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لـ12 منتجًا غذائيًا مختلفًا، بمعدل يفوق أربعة أضعاف المعدل المسجل في الأسبوع ذاته من العام الماضي، الذي شهد ثلاثة استدعاءات فقط، وفقا لمجلة ذا ويك.
وشملت حالات التلوث المكتشفة خلال الأسبوع نفسه بكتيريا السالمونيلا في الجرانولا وصلصة السلطة والفلفل الحار، إلى جانب شظايا زجاجية في مثلجات الفاكهة، وقطع معدنية في خبز العجين المخمر.
11458 إصابة في 20 ولاية.. تفشٍّ يعيد رسم خريطة الخطر
وتصدر هذا الموسم تفشي واسع لداء السيكلوسبوريا مرتبط بالخس، امتد إلى 20 ولاية أمريكية، وسجل حتى أواخر أغسطس الجاري ما لا يقل عن 11458 إصابة و495 حالة دخول إلى المستشفيات، ما جعل هذا الموسم من أكثر مواسم سلامة الغذاء إثارة للقلق في السنوات الأخيرة، وفقا لصحيفة فود سيفتي نيوز.
وربطت التحقيقات مصدر الخس الملوث بمنشأة إنتاج في وسط المكسيك، فيما واصلت السلطات الأمريكية والمكسيكية تتبع سلسلة التوريد لتحديد كيفية وصول المنتج الملوث إلى المستهلكين.
ثغرة الحدود.. عندما يغيب المفتش لسبع سنوات كاملة
ولا يقتصر الخطر على مصدر واحد، إذ يمر الطعام الذي يصل إلى المستهلك الأمريكي عبر شبكة توريد هائلة تشمل مزارع ومصانع وموردين من خارج الحدود؛ فقد أصبحت المكسيك وحدها مصدرًا لأكثر من 20 بالمئة من واردات الغذاء الأمريكية، مع اعتماد متزايد على الاستيراد لتغطية الطلب على المنتجات الزراعية طوال العام.
وكشفت التقارير أن المنشأة المكسيكية المرتبطة بأزمة الخس لم تخضع لأي عملية تفتيش من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية منذ عام 2019، أي قبل الأزمة الحالية بسبع سنوات كاملة، ما يعكس فجوة رقابية عميقة أمام حجم التجارة الغذائية العابرة للحدود (رويترز).
مليار دولار في يد لوبي الغذاء.. قاعدة تأخرت 17 عامًا كاملة
ولا يعد هذا التصعيد ظاهرة معزولة، بل يعكس أزمة بنيوية عمرها عقود، غذتها حملات ضغط ضخمة فاقت في حجمها إنفاق صناعات القمار والتبغ والكحول مجتمعة؛ إذ أنفقت صناعة الأغذية فائقة المعالجة أكثر من مليار دولار على جماعات الضغط بين عامي 1998 و2020، بينما ضخّ لوبي الأعمال الزراعية أكثر من 500 مليون دولار إضافية بين عامي 2019 و2023 فقط.
وتتجلى قدرة هذا اللوبي في تجاوز "قاعدة التتبع الغذائي"، الأداة التي كان يفترض أن تلزم الشركات بالاحتفاظ بسجلات أكثر تفصيلًا للمنتجات عالية الخطورة لتسريع تحديد مصدر التلوث وسحبه؛ فبعد سنوات من الجدل والضغط الصناعي، تأجل تطبيقها إلى عام 2028، أي بعد 17 عامًا كاملة من إقرارها ضمن قانون تحديث سلامة الأغذية لعام 2011.
والأسوأ من ذلك، وفق تقرير لمكتب المساءلة الحكومي الأمريكي (GAO)، أن الإدارة لم تقترب من أهدافها في التفتيش الخارجي منذ 2018؛ إذ نفذت 995 عملية تفتيش فقط عام 2025 مقابل هدف سنوي يبلغ 19200 عملية، أي نحو 5 بالمئة فقط من المستهدف.
قواعد إخطار جديدة.. هل تسد الإدارة الثغرة أخيرًا؟
وفي مسعى للاستجابة الجزئية لهذه الثغرات، اقترحت الإدارة الأمريكية في أغسطس الجاري قواعد جديدة تلزم الشركات بإخطار إدارة الغذاء والدواء قبل طرح مكونات أو إضافات غذائية جديدة في السوق، في محاولة لسدّ ثغرة تنظيمية عرفت باسم "جراس" (GRAS)، سمحت تاريخيًا لبعض الشركات باعتماد سلامة موادها ذاتيًا دون مراجعة اتحادية مباشرة.
وتضع إدارة الغذاء والدواء، في خطتها لعام 2026، تطوير نظام تتبع الغذاء وتحديث إجراءات سحب المنتجات ضمن أولوياتها المعلنة، مؤكدة أن سرعة تحديد المنتجات الخطرة وإزالتها من السوق عنصر أساسي لحماية المستهلكين.
احتكار اللحوم.. أربع شركات تتحكم بـ85% من السوق
ولا يقتصر الجدل على سلامة الغذاء وحدها، بل يمتد إلى بنية الصناعة نفسها، خصوصًا في قطاع اللحوم؛ حيث تسيطر أربع شركات كبرى على نحو 85 بالمئة من عمليات تجهيز لحوم الأبقار في الولايات المتحدة.
ومع ارتفاع أسعار اللحوم إلى مستويات قياسية هذا العام، اتهمت الإدارة الأمريكية شركات المعالجة الكبرى باستغلال هيمنتها على السوق، وطرحت إجراءات لزيادة المنافسة وتشجيع المزارعين على معالجة ماشيتهم محليًا، فيما حذّرت جهات صناعية من أن تخفيف بعض قواعد الرقابة قد يفتح الباب أمام دخول لحوم غير خاضعة للتفتيش الكافي إلى السوق.
حين يكتشف النظام الخطر بعد وقوعه لا قبله
يكشف هذا المسار المتشابك بين سلاسل توريد عابرة للحدود يصعب تتبعها، ولوبي مالي ضخم ينجح مرارًا في تأجيل الإصلاحات، وتركّز صناعي يضع مصير ملايين المستهلكين بيد عدد محدود من الشركات، عن معضلة بنيوية عميقة يصعب حلها بإجراء تنظيمي واحد أو استدعاء عاجل لمنتج بعينه.
فالمفارقة الأمريكية الحقيقية تكمن في أن صناعة غذاء تحقق أرباحًا ضخمة وتصل منتجاتها إلى مئات الملايين يوميًا، بينما لا يزال النظام الرقابي المكلف بحمايتهم يعمل غالبًا كآلية اكتشاف لاحقة للضرر بعد وقوعه، لا كخط دفاع استباقي يمنعه من الأساس.