< مستلزمات جراحية مستعملة تعود إلى غرف العمليات.. مخالفات طبية خطيرة في لبنان
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مستلزمات جراحية مستعملة تعود إلى غرف العمليات.. مخالفات طبية خطيرة في لبنان

أرشيفية
أرشيفية

تتفاعل في لبنان الآن قضية طبية خطيرة بعد الكشف عن شبهات تتعلق بإعادة استخدام معدات ومستلزمات جراحية مخصصة للاستعمال مرة واحدة، إلى جانب التلاعب بتواريخ صلاحية بعض المعدات وتغيير بلد منشأ منتجات أخرى.

وقالت صحيفة الإندبندنت البريطانية، إن القضية تفتح ملفًا شديد الحساسية يتعلق بسلامة المرضى والرقابة على المستلزمات الطبية التي تدخل غرف العمليات، بعدما أظهرت التحقيقات الأولية مخالفات مرتبطة بشركة تعمل في توريد المعدات والتجهيزات والمستلزمات الطبية للمستشفيات.

تعديل تواريخ معدات طبية منتهية الصلاحية

وبحسب المعطيات التي ظهرت في التحقيقات، يشتبه في أن الشركة قامت بتعديل تواريخ معدات طبية منتهية الصلاحية، كما غُيّر بلد منشأ بعض المنتجات من الصين إلى الولايات المتحدة. 

وعلى خلفية هذه الوقائع، صدرت مذكرات توقيف بحق عدد من أصحاب الشركة ومديريها وموظفيها، فيما جرت مداهمة مستودعاتها في شمال بيروت وختمها بالشمع الأحمر.

وشملت التوقيفات أيضًا مراقبًا صحيًا تابعًا لوزارة الصحة، كان قد عاين مركز الشركة واطلع على نشاطه قبل أن يبلغ الجهات المختصة بأن عملها قانوني ولا يتضمن مخالفات، وفق المعطيات المتداولة في القضية.

معدات جراحية من مريض إلى آخر

الأخطر في الملف يتمثل في الاشتباه بجمع معدات طبية سبق استخدامها في عمليات جراحية، رغم كونها مصممة للاستخدام مرة واحدة، ثم غسلها وتعقيمها وإعادة بيعها لاستخدامها في عمليات جديدة.

وتشمل المعدات المشتبه فيها مستلزمات تستخدم خصوصًا في جراحات العظام، مثل المفاصل الصناعية والبراغي والأسياخ المعدنية. وتشير التحقيقات إلى أن بعض هذه المعدات كان يعاد توضيبها داخل مستشفى حكومي بعد استخدامها، قبل طرحها مجددًا للاستخدام.

وأفادت المعطيات الأمنية بالقبض على 13 شخصًا على ذمة التحقيق، فيما لا تزال القضية قيد المتابعة ولم تتحول الاتهامات المطروحة إلى أحكام قضائية نهائية.

وتكمن حساسية الملف في عدم وضوح عدد المستشفيات التي ربما تسلمت هذه المعدات، أو عدد المرضى الذين ربما استخدمت معهم، وما إذا كان أي منهم قد تعرض لمضاعفات صحية نتيجة ذلك.

ما هي خطورة إعادة الاستخدام؟

شهد الطب خلال القرنين الماضيين تحولًا جذريًا في التعامل مع التعقيم ومكافحة العدوى، فقد كانت العمليات الجراحية في مراحلها المبكرة ترتبط بمعدلات مرتفعة من الوفاة بسبب التلوث، قبل أن يؤدي الاهتمام بالنظافة وغسل اليدين والتعقيم إلى انخفاض كبير في مخاطر العدوى.

ومع تطور المعايير الطبية، أصبح عدد كبير من المستلزمات الجراحية مصممًا للاستخدام مرة واحدة، خصوصًا المعدات التي تدخل إلى جسم المريض وتبقى داخله.

وتختلف هذه المعدات عن الأدوات الجراحية التقليدية التي يستخدمها الطبيب أثناء العملية، إذ تشمل المفاصل الصناعية والبراغي وبعض الأجهزة المزروعة والقساطر وغيرها.

وتكمن المشكلة في احتمال تشكل ما يعرف بالغشاء الحيوي البكتيري حول المعدات المزروعة داخل الجسم، وقد تصبح البكتيريا الموجودة ضمن هذا الغشاء أكثر مقاومة لعمليات التعقيم، ما يجعل إزالة الجهاز وإعادة تعقيمه ثم استخدامه لدى مريض آخر ممارسة شديدة الخطورة.

ولهذا، لا يمكن اعتبار غسل المعدات أو تعقيمها كافيًا بالضرورة لجعل بعض الأجهزة المزروعة آمنة لإعادة الاستخدام. 

وتؤدي العدوى المرتبطة بها إلى مضاعفات خطيرة، وربما إلى الحاجة لعمليات جراحية جديدة، ويزداد الخطر لدى كبار السن والأشخاص الذين يعانون ضعفًا في المناعة، إذ تكون قدرتهم على مقاومة العدوى أقل.

تغيير بلد المنشأ يفتح ملفًا آخر

إلى جانب إعادة الاستخدام والتلاعب بتواريخ الصلاحية، كشفت التحقيقات عن تغيير بلد منشأ بعض المعدات من الصين إلى الولايات المتحدة. 

وتخضع الأجهزة والمستلزمات الطبية لشروط رقابية قبل السماح بإدخالها إلى الأسواق، فيما ترتبط صلاحية العديد من المنتجات بموافقات الجهات التنظيمية المعتمدة في الولايات المتحدة أو أوروبا.

ولا يعني ذلك أن المعدات الصينية غير آمنة بالضرورة، إذ توجد منتجات صينية تستوفي المعايير الطبية المطلوبة، لكن تغيير بلد المنشأ بصورة متعمدة يطرح مشكلة مختلفة، لأنه يجعل التحقق من مصدر المنتج ومطابقته للمواصفات المعلنة أكثر صعوبة.

مسؤولية تتجاوز شركة واحدة

في حال أثبت القضاء صحة الاتهامات، فقد لا تقتصر القضية على الشركة وحدها، بل تفتح الباب أمام مراجعة آليات الرقابة على شركات توريد المستلزمات الطبية والمستودعات والمستشفيات، وكيفية تتبع المعدات منذ دخولها البلاد وحتى استخدامها داخل غرف العمليات.

كما تطرح القضية أسئلة حول الجهات التي كان يفترض أن تتحقق من صلاحية المعدات ومصدرها، وحول كيفية اكتشاف معدات منتهية الصلاحية أو مستعملة إذا أعيد تقديمها على أنها جديدة وصالحة للاستخدام.

وفي المقابل، بقيت الجهات المعنية حذرة في التعليق، في انتظار اكتمال التحقيقات وصدور الحكم القضائي، بينما لم تصدر حتى الآن جميع التفاصيل الرسمية المتعلقة بالملف.

في انتظار الحقيقة

لا تزال القضية في مرحلة التحقيق، وبالتالي لا يمكن الجزم بصحة جميع الاتهامات قبل صدور الأحكام النهائية، لكن إذا ثبت أن معدات مخصصة للاستخدام مرة واحدة جرى نقلها بالفعل من عمليات مرضى سابقين إلى مرضى آخرين، فقد تتحول القضية إلى واحدة من أخطر الفضائح الطبية في لبنان.