< إلى أين تتجه غزة في ظل انشغال إسرائيل والولايات المتحدة بدوراتهما الانتخابية؟| تحليل
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

إلى أين تتجه غزة في ظل انشغال إسرائيل والولايات المتحدة بدوراتهما الانتخابية؟| تحليل

الرئيس نيوز

في تحليل نشرته صحيفة جيروزاليم بوست، وصف الكاتب يونا جيريمي بوب الوضع في غزة بأنه يمر بـ"مأزق حقيقي". فحكومة الاحتلال الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، كانت تفضل إعادة اجتياح القطاع منذ بداية 2026، في حين تسعى حماس إلى تقديم تنازلات محدودة وشكلية فقط، مع الاحتفاظ بنفوذها الفعلي من خلف الكواليس، بحيث تظل القوة الأكثر تأثيرا في غزة حتى بعد سنوات.

كوشنر يدفع نحو تغيير تدريجي

يسعى جاريد كوشنر، الذي يتولى دورا رئيسيا في إدارة ترامب بشأن ملف غزة، إلى دفع إسرائيل نحو تقليص وجودها العسكري تدريجيا، بحيث تنخفض المنطقة الأمنية التي تسيطر عليها من نحو 50 إلى 60% من القطاع إلى حوالي 15% فقط.

وفي الوقت نفسه، يدفع كوشنر باتجاه بدء إعادة الإعمار والضغط على حماس للتخلي عن أسلحتها بصورة تدريجية. ويرى التحليل أن كوشنر يمتلك حاليا اليد العليا في هذا الملف، بعدما حظيت خططه بدعم ترامب في المحطات الرئيسية منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.

لا اجتياح إسرائيليا ولا انسحاب فعليا

واضطرت إسرائيل إلى قبول دخول "قوة الاستقرار الدولية" إلى غزة، كما وافقت حماس على تشكيل لجنة تكنوقراطية تعرف باسم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" لتولي إدارة الشؤون المدنية. ولكن تنفيذ هذه الترتيبات تأجل، في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية بين أكتوبر ونوفمبر.

وبذلك نشأ وضع معلق، فلم يحصل نتنياهو على عملية الاجتياح التي كان يريدها، لكن إسرائيل في المقابل لم تنسحب فعليا من المناطق التي تسيطر عليها، كما لم تسمح ببدء عملية إعادة إعمار واسعة. واستمر هذا الجمود لنحو عام، بالتزامن مع استعادة حماس جزءا من قوتها تدريجيا، بينما يواصل الجيش الإسرائيلي استهداف قادتها الميدانيين.

العصابات المحلية.. هل تستطيع إسقاط حماس؟

وتشير تقارير إلى أن بعض العصابات المحلية في غزة تعمل ضد حماس، وهو أمر يؤكد التحليل وجوده فعلا. وكانت حكومة الاحتلال قد أقرت في 2025 بوجود تعاون بين جهات إسرائيلية وأحد زعماء هذه العصابات، بهدف تشكيل قوة محلية معارضة لحماس يمكن أن تساعد مستقبلا في إضعاف الحركة وإسقاطها من الداخل.

وكشفت تقارير صحفية إسرائيلية لاحقا عن تورط جيش الاحتلال أيضا في التعامل مع هذه المجموعات، التي توسع عددها إلى ست مجموعات تنتشر في مناطق واسعة من القطاع.

لكن قدرات هذه العصابات تظل محدودة. فهي تضم بضع مئات من العناصر فقط، مقابل آلاف المقاتلين في صفوف حماس، كما أن قدرتها على العمل تعتمد بدرجة كبيرة على الحماية الإسرائيلية المباشرة.

ولهذا، يرى خبراء أن هذه المجموعات قادرة على تنفيذ عمليات صغيرة ومحدودة، لكنها لا تملك القدرة وحدها على إنهاء سيطرة حماس.

ويحتاج تغيير السيطرة على القطاع، وفقا للتحليل، إلى دور للسلطة الفلسطينية، أو إلى صيغة تجمعها مع مصر و"قوة الاستقرار الدولية"، مع استمرار الدعم الإسرائيلي من الخارج.

حماس تستعيد نفوذها في غياب البديل

منذ وقف إطلاق النار، لم تبذل إسرائيل محاولة جادة لإيجاد بديل سياسي لحماس، وهو ما سمح للحركة بإعادة تثبيت نفوذها في مناطق تسيطر عليها وتضم ما بين 40 و50% من مساحة غزة، لكنها تضم أكثر من 90% من سكان القطاع.

وعندما أطلقت حماس مؤخرا بالونات عبر الحدود في محاولة لاختبار رد الفعل الإسرائيلي، جاء الرد من خلال تكثيف الغارات الجوية. ودفع ذلك نتنياهو وبعض قادة الجيش إلى المطالبة بإعادة النظر في خيار الاجتياح بعد الانتخابات.

لكن التحليل يستبعد أن تكون حماس في وضع يسمح لها بشن مواجهة كبيرة. فالحركة، وفقا للكاتب، لا تمتلك حاليا سوى قدر محدود جدا من الصواريخ، كما أنها لا تستطيع إجراء تدريبات عسكرية بصورة علنية. وحتى البالونات التي أطلقتها مؤخرا لم تكن بالونات حارقة مثل تلك التي استخدمت في احتجاجات 2018، وإنما كانت بالونات عادية.

ترامب يريد الهدوء وليس حربا جديدة

لا يرى التحليل مؤشرات قوية على أن ترامب سيسمح لإسرائيل بشن اجتياح جديد لغزة، إذ يركز الرئيس الأمريكي على تهدئة المنطقة وتحقيق تقدم في اتفاقيات التطبيع.

كما تشير استطلاعات الرأي إلى أن غادي آيزنكوت يمتلك فرصة حقيقية للوصول إلى رئاسة حكومة الاحتلال الإسرائيلية المقبلة. وهو أقل ميلا إلى خيار الاجتياح مقارنة بنتنياهو، وكان من أوائل المطالبين بإنهاء الحرب من أجل استعادة الرهائن منذ 2024.

ويرى الكاتب أن تراجع ترامب عن الضغط من أجل إدخال "قوة الاستقرار الدولية" إلى غزة ربما جاء جزئيا مراعاة للانتخابات الإسرائيلية. لكن هذا الاعتبار قد يتراجع لاحقا، خصوصا مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية ورغبة ترامب في تحقيق إنجاز سياسي واضح.

معبر إيرز يكشف حجم التخبط

ويقدم التعامل مع معبر إيرز مثالا واضحا على تأثير الحسابات السياسية والانتخابية في القرارات المتعلقة بغزة. فقد أصدر مجلس الأمن القومي الإسرائيلي توجيهات لجيش الاحتلال بالاستعداد لإعادة فتح المعبر، قبل أن يتراجع نتنياهو عن القرار بعد ساعات، خشية تعرضه لانتقادات سياسية.

وجاء التراجع رغم وجود تفاهم فعلي مع كوشنر بشأن فتح المعبر، وفقا للتحليل.

ماذا سيحدث بعد الانتخابات؟

يرجح التحليل استمرار الوضع الراهن حتى الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، مع اتخاذ خطوات محدودة ومتدرجة باتجاه التصور الذي يدفع إليه كوشنر وترامب. وبعد الانتخابات، من المتوقع أن يضغط ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل، سواء كان نتنياهو أو آيزنكوت، من أجل تقديم تنازلات أكبر، مقابل تنازلات محدودة من حماس.

وحتى ذلك الوقت، سيواصل الفلسطينيون في غزة تحمل أعباء وضع يوفر لهم الغذاء بدرجات متفاوتة، لكنه لا يوفر سكنا لائقا أو مسارا واضحا للخروج من الأزمة.

وفي المقابل، ستواصل إسرائيل دفع ثمن سياسي متزايد على الساحة الدولية، من دون أن تحصل في المقابل على مكاسب سياسية واضحة نتيجة تجنبها شن اجتياح بري واسع.

أما المخاوف من أن تقدم حماس على تحرك عسكري كبير قبل نوفمبر، أو حتى بعده، فيرى التحليل أنها مبالغ فيها، في ظل القدرات المحدودة للحركة والقيود المفروضة عليها حاليا.