من كرونوس إلى دمياط.. مصر تقترب من تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للغاز| عاجل
يمهد حقل كرونوس قبالة سواحل قبرص لصفقة استراتيجية ثلاثية الأطراف، تجمع بين قبرص ومصر وأوروبا في معادلة واحدة، وفقًا لما رصدته مجلة "أويل برايس" المتخصص في شؤون الطاقة.
ومن خلال هذه الصفقة، تحصل قبرص على منفذ تصدير كانت عاجزة عن بنائه اقتصاديًا بمفردها، وتؤمن مصر الغاز لبنيتها التحتية الصناعية الواعدة، أما أوروبا، فتكسب مصدرًا إضافيًا غير روسي الغاز والطاقة.
وتزداد حاجة القاهرة إلى مصادر جديدة؛ إذ تراجع إنتاج الغاز الطبيعي المصري بنسبة ٧ بالمئة على أساس سنوي ليصل إلى ١٠٩.٣ مليون متر مكعب يوميًا خلال الربع الثاني من عام ٢٠٢٦، في استمرار لمسار هبوطي بدأ بعد بلوغ الإنتاج ذروته عام ٢٠٢١.
ويكمن الاختبار الحقيقي في ما إذا كان كرونوس سيصل إلى مرحلة الإنتاج الأول في موعده المحدد، وما إذا كان بمقدوره أن يتحول إلى نموذج تجاري قابل للتكرار مع اكتشافات أخرى في المنطقة.
من "ظهر" إلى "دمياط".. المسار اللوجستي للغاز القبرصي
حصل مشروع حقل كرونوس، الواقع في القطاع رقم ٦ قبالة سواحل قبرص الجنوبية على مسافة نحو ١٨٥ كيلومترًا، على القرار الاستثماري النهائي من شركتي "إيني" الإيطالية و"توتال إنرجيز" الفرنسية في نهاية يوليو ٢٠٢٦، بحسب موقع "إنرجيز ميديا".
وتملك "إيني" الإيطالية حصة ٥٠ بالمئة في تشغيل القطاع، فيما تملك "توتال إنرجيز" الفرنسية الحصة المتبقية.
ويحتوي القطاع، بحسب تقديرات "إيني"، على أكثر من ٣ تريليونات قدم مكعبة من الغاز موزعة على أربعة حقول بحرية، ومن المتوقع أن تصل طاقة الإنتاج إلى ٥٠٠ مليون قدم مكعبة يوميًا عند اكتمال المشروع في ٢٠٢٨.
ووفقًا لتقرير أويل برايس، فإن العمل على مد خط أنابيب من كرونوس إلى البنية التحتية القائمة في حقل ظُهر المصري الضخم، الواقع على مسافة ١٠٥ كيلومترات، سيبدأ لاحقًا هذا العام ويستغرق حتى ١٨ شهرًا لإنجازه.
الخيار الأكثر جدوى
وبعد ذلك، ينقل الغاز إلى محطة دمياط على الساحل الشمالي المصري لإسالته وشحنه بحرًا إلى أوروبا، وأوضح وزير الطاقة القبرصي ميخائيل داميانوس أن توجيه غاز كرونوس عبر مصر للمعالجة كان الخيار الأكثر جدوى اقتصاديًا، بتكلفة تقارب ملياري دولار، أي نصف التكلفة التقديرية لتطوير حقول غازية أخرى داخل المياه القبرصية، نظرًا لقربه من البنية التحتية القائمة أصلًا.
ورغم أن الاتفاق ينص على توجيه كامل كمية الغاز التي تتجاوز ٣ تريليونات قدم مكعبة نحو أوروبا، فإن الاتفاق يتضمن بندًا يتيح استخدام نحو خُمس هذه الكمية لتغطية جزء من احتياجات مصر المحلية من الطاقة.
شرق المتوسط "منقذًا" للطاقة الأوروبية
صرح داميانوس بأن حوض شرق المتوسط يتحول بسرعة إلى مصدر طاقة بديل للدول الأوروبية، في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا والاضطرابات في الشرق الأوسط التي تدفع القارة للبحث عن مصادر جديدة.
ومن المتوقع أن يصل الغاز القبرصي إلى المستهلكين الأوروبيين اعتبارًا من مارس ٢٠٢٨، ليكون هذا المشروع أول مرة يصل فيها غاز من اكتشافات شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية بشكل مباشر.
ولا يقتصر المشهد على كرونوس وحده؛ إذ تحتفظ قبرص بحقلين إضافيين هما "جلوكوس" و"بيجاسوس"، يحتويان مجتمعين على ما يقدَّر بـ٦.٩ تريليونات قدم مكعبة من الغاز، وتتولى تطويرهما شركتا "إكسون موبيل" الأمريكية و"قطر للطاقة"، اللتان تتوقعان بدء تدفق الغاز منهما بحلول عام ٢٠٣٣، أي بعد نحو خمس سنوات من انطلاق إنتاج كرونوس.
تحديات هندسية وسياسية تظل قائمة
يشير موقع "بروكيورمنت ماجزين" إلى أن بناء خطوط الأنابيب تحت سطح البحر يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا، إذ تضيف المسافة وعمق المياه تعقيدًا إضافيًا على جداول الهندسة والتركيب.
كما لا تزال العوامل السياسية تشكل عائقًا مستمرًا؛ إذ تعترض تركيا على أنشطة الحفر القبرصية بحجة تداخلها مع ما تعتبره جرفها القاري الخاص، وهو خلاف قائم منذ سنوات ولم يُحسم بعد رغم المضي قدمًا في مشروع كرونوس.
ويمثل مشروع كرونوس نقطة تحول محتملة في معادلة الطاقة الإقليمية، إذ يحول مصر من مجرد منتج للغاز إلى محور إقليمي لمعالجة وتصدير الغاز الإسرائيلي والقبرصي معًا نحو أوروبا، مستفيدة من فائض طاقتها التصنيعية في ظل تراجع إنتاجها المحلي.
لكن نجاح هذا الممر الواعد يظل رهينًا بعوامل عدة، أبرزها الالتزام بالجدول الزمني المحدد لعام ٢٠٢٨، وتجاوز العقبات السياسية التركية، إلى جانب قدرة النموذج التجاري على الصمود اقتصاديًا كتجربة يمكن تكرارها مع اكتشافات أخرى في الحوض ذاته.