الاستثمار الأجنبي في مصر.. لماذا تتجه الدولة نحو جذب الاستثمارات الإنتاجية المستدامة؟
تواصل مصر جهودها لتعزيز مكانتها كوجهة جاذبة للاستثمار الأجنبي، في ظل توجه حكومي متزايد نحو استقطاب رؤوس الأموال التي تستهدف إقامة مشروعات إنتاجية مستدامة، وليس فقط الاستفادة من التدفقات المالية الناتجة عن الصفقات الكبرى. ويأتي ذلك في وقت تركز فيه الدولة على دعم الصناعة وزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل وتعزيز موارد النقد الأجنبي.
وأصبحت طبيعة الاستثمار الأجنبي وجودته من أبرز المؤشرات التي يمكن من خلالها تقييم قدرة الاقتصاد المصري على الاستفادة من التدفقات الاستثمارية، خاصة أن الاستثمارات المنتجة تمتلك تأثيرًا ممتدًا على قطاعات متعددة، بداية من الصناعة والتشغيل، وصولًا إلى التصدير وسلاسل الإمداد المحلية.
الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر
ويرى الدكتور كريم يحيى، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، أن تقييم نجاح مصر في جذب الاستثمارات الأجنبية لا ينبغي أن يعتمد فقط على إجمالي قيمة التدفقات التي تدخل البلاد خلال عام واحد، وإنما يجب النظر إلى طبيعة هذه الاستثمارات ومدى استدامتها وقدرتها على خلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد.
وأوضح أن الاستثمارات التي تستهدف الإنتاج والتصنيع والتصدير توفر تأثيرًا أكثر استدامة، مقارنة بالتدفقات التي ترتبط بصفقات استثنائية لا تتكرر بصورة منتظمة، مؤكدًا أن الهدف الأساسي خلال المرحلة المقبلة يجب أن يكون بناء قاعدة قوية ومتنامية من الاستثمارات الأجنبية المستدامة.
46 مليار دولار استثمارات أجنبية خلال عام
وسجلت مصر نحو 46 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال السنة المالية 2023/2024، إلا أن هذا الرقم تأثر بصورة كبيرة بصفقة رأس الحكمة، التي شكلت الجزء الأكبر من التدفقات المسجلة خلال تلك الفترة.
وبلغت قيمة صفقة رأس الحكمة نحو 35 مليار دولار، وهو ما يجعل التعامل مع إجمالي الاستثمارات البالغ 46 مليار دولار باعتباره معدلًا طبيعيًا ومستدامًا للتدفقات الأجنبية أمرًا غير دقيق، وفقًا لرؤية أستاذ التمويل والاستثمار.
وعند استبعاد أثر الصفقة الاستثنائية، تبدو الصورة أكثر ارتباطًا بالاتجاه الأساسي للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث ارتفعت التدفقات من نحو 11 مليار دولار إلى قرابة 12 مليار دولار، وهو المؤشر الذي يعكس بصورة أكبر قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات بصورة مستمرة.
مستهدف الاستثمار الأجنبي خلال السنوات المقبلة
وتبرز الحاجة إلى وضع مستهدفات تدريجية للاستثمار الأجنبي المباشر، بما يتناسب مع قدرات الاقتصاد المصري والفرص الاستثمارية المتاحة، مع التركيز على زيادة الاستثمارات المستدامة بدلًا من الاعتماد على الصفقات الكبرى.
ويقترح الدكتور كريم يحيى الوصول تدريجيًا إلى نطاق يتراوح بين 15 و18 مليار دولار سنويًا من صافي الاستثمار الأجنبي المباشر المستدام خلال العامين المقبلين، مع اعتبار الاقتراب من حاجز 20 مليار دولار سنويًا هدفًا مهمًا يمكن العمل على تحقيقه.
ولا يرتبط نجاح هذه الاستراتيجية بتحقيق رقم مرتفع في عام واحد فقط، وإنما بقدرة مصر على المحافظة على تدفقات استثمارية مستقرة ومتزايدة، بما يدعم النمو الاقتصادي ويوفر مصادر مستدامة للعملة الأجنبية.
لماذا تعد الاستثمارات الصناعية أكثر أهمية؟
تكتسب الاستثمارات الصناعية أهمية خاصة في استراتيجية جذب الاستثمار الأجنبي، نظرًا لقدرتها على تحقيق تأثير اقتصادي متعدد المستويات، بداية من إنشاء المصانع وخطوط الإنتاج، مرورًا بتوفير فرص العمل، وصولًا إلى زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات.
فالاستثمار الصناعي المستدام لا يقتصر أثره على قيمة رأس المال الذي يدخل الاقتصاد، وإنما يخلق نشاطًا مستمرًا حول المشروع من خلال التعامل مع الموردين وشركات النقل والخدمات ومقدمي المواد الخام، وهو ما يرفع حجم النشاط الاقتصادي بصورة عامة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يكون استثمار صناعي وتصديري بقيمة 10 مليارات دولار أكثر تأثيرًا على الاقتصاد على المدى الطويل من تدفق مالي أكبر يدخل البلاد في صورة صفقة استثنائية لمرة واحدة دون أن يترتب عليه نشاط إنتاجي مستمر.
أبرز القطاعات الواعدة أمام المستثمرين
تمتلك مصر فرصًا استثمارية متنوعة يمكن توظيفها لجذب المزيد من الشركات الأجنبية، خاصة في القطاعات التي تمتلك قدرة على الإنتاج والتصدير والوصول إلى الأسواق الخارجية.
وتبرز من بين هذه القطاعات الصناعات الغذائية والزراعية، والصناعات الهندسية والكهربائية، والإلكترونيات، ومكونات السيارات، إلى جانب الصناعات الكيميائية والأسمدة ومواد البناء.
وتمنح السوق المصرية الكبيرة والموقع الجغرافي المتميز وتنوع الأنشطة الاقتصادية مصر مجموعة من المزايا التي يمكن البناء عليها لاستقطاب الشركات العالمية الراغبة في إنشاء مراكز إنتاج إقليمية.
كما يمكن للاستثمارات الجديدة الاستفادة من موقع مصر كبوابة تربط الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية، وهو ما يعزز فرص إقامة مشروعات تستهدف الإنتاج داخل مصر ثم إعادة تصدير المنتجات إلى الأسواق الخارجية.
الصادرات عامل رئيسي في قرارات المستثمرين
لا ينظر المستثمر الأجنبي إلى حجم السوق المحلية فقط عند اتخاذ قرار إقامة مشروع جديد، وإنما يبحث كذلك عن فرص التوسع والوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
ولهذا السبب، يمثل تعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد المصري أحد العناصر الأساسية في جذب الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا الشركات العالمية التي تبحث عن مواقع إنتاج تستطيع من خلالها خدمة عدد كبير من الأسواق.
ويمكن لمصر توظيف موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها التجارية في جذب هذه النوعية من الاستثمارات، بما يسهم في زيادة الصادرات وتوفير العملة الأجنبية ودعم الميزان التجاري.
تأثير الاستثمارات الإنتاجية على الاقتصاد
تتجاوز فوائد الاستثمارات الصناعية قيمة رأس المال الذي يتم ضخه في المشروع، إذ يمكن للمصنع الجديد أن يوفر فرص عمل مباشرة للعاملين به، إلى جانب خلق وظائف غير مباشرة في مجالات النقل والخدمات والتوريد والتوزيع.
كما يؤدي توسع النشاط الصناعي إلى زيادة الطلب على المنتجات المحلية، ويدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تدخل ضمن سلاسل التوريد، فضلًا عن زيادة الإنتاج المحلي وتحسين القدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وتساعد هذه الدورة الاقتصادية على تحقيق تأثير مضاعف للاستثمار، إذ ينتقل أثر المشروع من المنشأة نفسها إلى قطاعات اقتصادية أخرى مرتبطة بها.
كيف يمكن قياس نجاح استراتيجية الاستثمار؟
يمكن تقييم نجاح استراتيجية جذب الاستثمار الأجنبي في مصر من خلال مجموعة من المؤشرات، يأتي في مقدمتها نمو الاستثمار الأجنبي المباشر بصورة مستدامة بعيدًا عن الصفقات الاستثنائية.
ويتمثل المؤشر الثاني في زيادة حجم الاستثمارات الصناعية، خصوصًا المشروعات التي تستهدف التصدير وتتماشى مع التحولات العالمية في مجالات التكنولوجيا والطاقة والاستدامة.
كما يعد جذب الشركات العالمية التي تبدأ بالفعل عمليات الإنتاج داخل مصر مؤشرًا أكثر أهمية من مجرد الإعلان عن مشروعات استثمارية، إلى جانب متابعة تطور حجم الصادرات المصرية وقدرتها على النمو بصورة مستمرة.
145 مليار دولار مستهدف الصادرات بحلول 2030
تمثل زيادة الصادرات أحد الأهداف الرئيسية المرتبطة بتوسيع قاعدة الاستثمارات الأجنبية، خاصة أن المشروعات الصناعية الجديدة يمكن أن تكون محركًا أساسيًا لتحقيق مستهدفات الدولة في هذا الملف.
ويأتي استهداف وصول قيمة الصادرات المصرية إلى نحو 145 مليار دولار بحلول عام 2030 كأحد الأهداف التي تتطلب توجيه مزيد من الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية ذات القدرة العالية على التصدير.
ويحتاج تحقيق هذا المستهدف إلى زيادة الطاقة الإنتاجية، وتعزيز تنافسية المنتجات المصرية، وتشجيع الشركات العالمية على استخدام مصر كقاعدة للتصنيع والتصدير، إلى جانب دعم اندماج الشركات المصرية في سلاسل القيمة العالمية.
الاستثمار المستدام هو الرهان الحقيقي
وفي النهاية، فإن نجاح مصر في جذب الاستثمار الأجنبي لا يرتبط فقط بحجم الأموال التي تدخل الاقتصاد، وإنما بقدرة هذه الاستثمارات على تحويل التدفقات المالية إلى مشروعات إنتاجية مستدامة.
ويظل الاستثمار الصناعي والتصديري أحد أهم المسارات التي يمكن من خلالها تحقيق قيمة مضافة حقيقية، عبر توفير فرص العمل وزيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات وتوفير النقد الأجنبي.
ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على نوعية الاستثمار بقدر الاهتمام بحجمه، بحيث تتحول مصر إلى مركز مستدام للإنتاج والتصدير والاستثمارات طويلة الأجل، بما يعزز قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو مستقرة ويزيد من تنافسيته إقليميًا ودوليًا.