< كيف ضل الموساد طريقه في إيران؟ جهاز الاستخبارات الإسرائيلي أمام أخطر اختبار
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

كيف ضل الموساد طريقه في إيران؟ جهاز الاستخبارات الإسرائيلي أمام أخطر اختبار

الرئيس نيوز

لطالما ارتبطت الصورة الأسطورية التي يسوقها جهاز الموساد بالعمليات التي تبدو أقرب إلى السينما منها إلى العمل الاستخباراتي التقليدي، بما في ذلك الاغتيالات الدقيقة، وعمليات التخريب المعقدة، والاختراقات الإلكترونية، والشبكات السرية القادرة على الوصول إلى قلب أكثر البيئات الأمنية تحصينًا. لكن المواجهة مع إيران تضع هذه السمعة أمام اختبار مختلف. فامتلاك القدرة على اختراق الخصم لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم في مسار الحرب أو تحديد ما سيحدث بعدها.

هذا هو السؤال المركزي في تحقيق مجلة "دير شبيج" الألمانية الذي بحث في الكيفية التي تحولت بها القدرات الاستثنائية للموساد إلى معضلة استراتيجية داخل الساحة الإيرانية.

عملية أجهزة النداء تكشف طريقة العمل

لفهم أسلوب الموساد، تكفي قصة أحمد العافي، أحد عناصر حزب الله الذين تعرضوا لعملية تفجير أجهزة النداء في سبتمبر 2024. ويعيش العافي في سهل البقاع اللبناني، لكنه لم يعد قادرًا على رؤية المشهد المحيط بمنزله. فقد فقد عينيه وجزءًا من أنفه، وأصيبت يداه بجروح بالغة. وعندما يريد استعادة صورة وجه ابنته التي كانت تبلغ ستة أشهر وقت العملية، يلمس ملامح وجهها بيده.

وفي 17 سبتمبر 2024، فجر الموساد آلاف أجهزة النداء التي كانت بحوزة عناصر حزب الله، بعد أن نجحت إسرائيل، وفق رواية "دير شبيغل"، في إدخال الأجهزة إلى شبكة الحزب قبل سنوات عبر شركات واجهة في المجر وبلغاريا، وتجهيزها بمتفجرات مخفية.

وكان العافي قد سمع صفيرًا غريبًا من جهازه، ثم ضغط على زري "موافق" و"إدخال" اللذين ظهرا على الشاشة. عندها انفجر الجهاز في يده. وفي المستشفى اكتشف أن ما حدث له لم يكن حادثًا فرديًا، بل جزءًا من عملية واسعة أصابت عددًا كبيرًا من عناصر الحزب في الوقت نفسه.

هذه العملية تلخص إحدى أبرز نقاط قوة الموساد، أي الاعتماد على الصبر، والاختراق طويل الأمد، والقدرة على تحويل أدوات عادية يستخدمها الخصم يوميًا إلى وسيلة للهجوم عليه.

حين يصبح الهدف دولة كاملة

لكن إيران تمثل تحديًا مختلفًا جذريًا. فالموساد لا يتعامل هناك مع شبكة مسلحة محدودة، وإنما مع دولة تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية واستخباراتية متعددة، إلى جانب أجهزة سياسية ودينية وشبكات مصالح متداخلة.

استطاعت إسرائيل، على مدى سنوات، بناء قدرات استخباراتية داخل إيران والوصول إلى معلومات شديدة الحساسية. لكن الحرب ترفع سقف المهمة من جمع المعلومات وضرب أهداف محددة إلى محاولة التأثير في مستقبل دولة بأكملها. وهنا تبدأ المشكلة.

الاختراق لا يساوي السيطرة

يمكن لجهاز استخبارات أن يعرف موقع هدف، أو يخترق شبكة اتصالات، أو يزرع وسيلة تخريب داخل بنية الخصم، لكن ذلك لا يمنحه بالضرورة القدرة على توقع رد فعل الدولة بعد الضربة. وهذا الفارق بالغ الأهمية في إيران. فالضربات التي تستهدف شخصيات أو منشآت أو قدرات محددة يمكن أن تحقق نتائج عسكرية واستخباراتية مباشرة، لكنها لا تضمن انهيار النظام أو ظهور بديل سياسي يخدم مصالح المهاجم.

بل إن الأنظمة شديدة التعقيد تستطيع أحيانًا امتصاص الضربات، وإعادة توزيع مراكز القوة، وتشديد الإجراءات الأمنية، وتحويل الهجوم الخارجي إلى عنصر لتعزيز التماسك الداخلي.

من العمليات السرية إلى تغيير قواعد اللعبة

المعضلة الأساسية للموساد هي أن نجاح العمليات المنفردة لا يعني نجاح الاستراتيجية بأكملها. فتفجير أجهزة النداء كان عملية ذات هدف محدد، وأداة محددة، ونتيجة يمكن قياسها. أما التعامل مع إيران، فيتعلق بملفات أكبر بكثير: البرنامج النووي، القدرات العسكرية، البنية الأمنية، القيادة السياسية، والاتجاه الذي يمكن أن تسلكه البلاد بعد الحرب. وكلما اتسع الهدف، تراجعت قدرة الاستخبارات وحدها على التحكم في النتائج.

وهنا تكمن المفارقة. فالاختراق العميق للخصم قد يمنح إسرائيل قدرة استثنائية على توجيه الضربات، لكنه قد يخلق في الوقت نفسه وهمًا بأن معرفة الخصم تعني القدرة على إعادة تشكيله.

حدود القوة الإسرائيلية

يقدم الملف الإيراني اختبارًا حقيقيًا لفكرة طالما ارتبطت بالموساد، وهي أن التفوق الاستخباراتي يمكن أن يعوض الفوارق في الحجم والعمق الاستراتيجي. لكن إيران تكشف حدود هذه الفكرة.

فالعمل الاستخباراتي يستطيع فتح الأبواب، وتحديد الأهداف، وكشف نقاط الضعف، وربما تعطيل قدرات حساسة. لكنه لا يستطيع بمفرده تحديد شكل النظام السياسي الذي سيخرج من الحرب، أو طبيعة رد المجتمع، أو مواقف المؤسسات العسكرية والأمنية، أو المسار الذي ستتخذه القوى الإقليمية والدولية.

لهذا لا تكمن المشكلة التي يواجهها الموساد في أنه فقد قدرته على تنفيذ عمليات استثنائية. على العكس، سجل عملياته يثبت امتلاكه قدرات عالية التعقيد. فالمشكلة الأعمق هي الفارق بين القدرة على اختراق الخصم والقدرة على التحكم في عواقب اختراقه.

الاختبار الحقيقي للموساد

إيران قد تكون أخطر اختبار للموساد ليس لأنها أغلقت أبوابها أمامه، وإنما لأنها أظهرت أن الوصول إلى قلب الخصم ليس نهاية المعركة. فكلما أصبحت العمليات الإسرائيلية أكثر جرأة ودقة.

 

وهنا تتحول قصة الموساد في إيران من قصة نجاحات استخباراتية إلى اختبار حقيقي لحدود القوة السرية نفسها. فالجهاز الذي اشتهر بقدرته على العمل في الظلام يواجه الآن معركة تتطلب أكثر من معرفة ما يجري داخل إيران؛ إنها تتطلب القدرة على فهم ما يمكن أن يحدث بعد أن تتغير قواعد اللعبة.