من الرياض إلى باريس.. لماذا تتحرك السعودية وفرنسا لإحياء القضية الفلسطينية دوليًا؟
تصل العلاقات السعودية ـ الفرنسية إلى محطة جديدة مع بدء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان زيارة دولة إلى فرنسا، بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون، في وقت تستعيد فيه القضية الفلسطينية حضورها بقوة في أجندة الشراكة بين الرياض وباريس، ولا سيما ما يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية والدفع باتجاه حل الدولتين، وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
وحملت الزيارة أبعادًا تتجاوز الملفات الثنائية، إذ تأتي بينما تحاول السعودية وفرنسا الحفاظ على المسار الدبلوماسي الخاص بالقضية الفلسطينية حيًا، بعد سنوات طويلة من تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. ويجمع لقاء بن سلمان وماكرون بعد أن التقيا في أكثر من مناسبة، وتقاطعت رؤيتهما بشأن الحاجة إلى إعادة طرح القضية الفلسطينية ضمن إطار دولي يتجاوز المواقف التقليدية والبيانات السياسية، وصولًا إلى خطوات عملية يمكن أن تقود إلى تسوية تقوم على وجود دولتين، فلسطينية وإسرائيلية.
من الرياض بدأت الفكرة
تعود جذور التحرك السعودي ـ الفرنسي المشترك إلى زيارة ماكرون للسعودية في ديسمبر 2024، حين اتفق مع الأمير محمد بن سلمان على العمل من أجل عقد مؤتمر دولي يركز على إقامة دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين. وكانت الفكرة تستهدف نقل الملف الفلسطيني من دائرة المواقف السياسية العامة إلى مسار دبلوماسي أكثر تنظيمًا، يجمع الدول المؤثرة حول مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تضع الأساس لتسوية سياسية قابلة للتنفيذ.
واكتسب التعاون بين الرياض وباريس أهمية خاصة بسبب اختلاف مصادر النفوذ لدى البلدين. فالسعودية تمتلك ثقلًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا، إلى جانب موقعها السياسي والاقتصادي في المنطقة، بينما تتمتع فرنسا بثقل أوروبي ودولي، فضلًا عن كونها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي. وبذلك جمع المسار بين نفوذ سعودي في العالمين العربي والإسلامي وحضور فرنسي داخل المؤسسات الأوروبية والدولية، في محاولة لبناء جبهة دبلوماسية قادرة على إبقاء حل الدولتين ضمن أولويات المجتمع الدولي.
قضية عمرها عقود
لم تكن القضية الفلسطينية جديدة على المؤسسات العربية والدولية، لكنها ظلت واحدة من أكثر الملفات استعصاءً على التسوية.
ومنذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، حضرت القضية الفلسطينية على جدول أعمالها في مناسبات واجتماعات عديدة، من دون أن تنجح الجهود المتعاقبة في وضع حد للصراع أو الوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة.
وعلى مدى عقود، تعاقبت المبادرات والمفاوضات والاتفاقات، بينما ظل ملف القدس والحدود والمستوطنات واللاجئين والأمن والسيادة من أكثر القضايا تعقيدًا أمام أي تسوية نهائية.
من المؤتمر إلى إعلان نيويورك
تحول التنسيق السعودي ـ الفرنسي إلى تحرك دولي من خلال مؤتمر عقد في الأمم المتحدة وترأسته الدولتان، وركز على تحويل مبدأ حل الدولتين إلى مسار سياسي أكثر تحديدًا. وخرج المؤتمر بما عرف باسم إعلان نيويورك، الذي دعا إلى اتخاذ إجراءات عملية ومحددة زمنيًا وغير قابلة للتراجع بهدف الوصول إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
ولم يتوقف الإعلان عند الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بل تناول مجموعة واسعة من الملفات المرتبطة بمستقبل الصراع، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار في غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتعزيز دور السلطة الفلسطينية، وترتيبات إدارة القطاع بعد الحرب.
كما تضمن المسار دعوات إلى عدم استمرار التوسع الاستيطاني ورفض إجراءات الضم، إلى جانب طرح ترتيبات تتعلق بنزع سلاح الفصائل المسلحة وإخراج حركة «حماس» من إدارة قطاع غزة في المرحلة المقبلة.
وبذلك أصبح الهدف المعلن للمبادرة أوسع من مجرد الحصول على اعتراف دولي بدولة فلسطينية، إذ سعت إلى ربط الاعتراف بالتصور السياسي والأمني والإداري لما بعد الحرب في غزة.
اعتراف فرنسي يضيف زخمًا
اكتسب التحرك زخمًا إضافيًا مع إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استعداد بلاده للاعتراف بدولة فلسطين، في خطوة أعادت قضية الاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية إلى واجهة النقاش السياسي الغربي. وينظر إلى الموقف الفرنسي باعتباره ذا أهمية خاصة نظرًا إلى مكانة باريس داخل الاتحاد الأوروبي، وإلى قدرتها على التأثير في النقاش الأوروبي بشأن مستقبل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
لكن المبادرة السعودية ـ الفرنسية واجهت منذ البداية عقبات سياسية كبيرة، أبرزها مقاطعة الولايات المتحدة وإسرائيل لمؤتمر نيويورك، في مؤشر على حجم الخلاف بشأن مسار التسوية وشروطها وترتيبات المرحلة التالية للحرب.
ومع ذلك، تمكنت الرياض وباريس من حشد تأييد دولي واسع للإعلان، والحفاظ على حل الدولتين كإطار أساسي لأي تصور مستقبلي للتسوية.
لقاء جديد بعد مؤتمر نيويورك
يأتي لقاء الأمير محمد بن سلمان وماكرون في باريس في مرحلة مختلفة عن تلك التي شهدت إطلاق المبادرة، إذ أصبحت ترتيبات ما بعد الحرب في غزة أكثر إلحاحًا، بينما تواجه المنطقة أزمات متشابكة تجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيدًا.