من الحماية إلى التجسس.. كيف تحولت كاميرات المراقبة إلى عين استخباراتية؟
ارتبطت كاميرات المراقبة بصورة ذهنية حول فكرة الحماية، وقد ينظر إليها كعين إلكترونية تراقب الشوارع والمنشآت والمطارات والمصانع، وتسجل ما يحدث في الأماكن الحساسة لمساعدة السلطات والشركات على منع الجرائم واتخاذ إجراءات الطوارئ وقت الحوادث، لكن التحول من أنظمة CCTV المغلقة إلى كاميرات متصلة بالإنترنت والسحابة والذكاء الاصطناعي ساهم في تغيير المعادلة جذريًا.
وفي تقرير خاص، ذكرت مؤسسة أوبزيرفر ريسرش فاونديشن أن الكاميرا الحديثة لم تعد جهازا يسجل الصور، فقد نقلتها التكنولوجيا إلى مستوى مستشعر شبكي يمكن الوصول إليه واختراقه عن بعد، ويرتبط ببرمجيات لإدارة آلاف التدفقات المصورة، وقد يخزن البيانات في خوادم بعيدة، وعندما تتعرض هذه المنظومة للاختراق، يمكن للأداة التي صممت في الأساس لحماية منشأة أن تصبح وسيلة لرصدها وفهم تحركات العاملين فيها وحتى كشف نقاط ضعفها.
من كاميرا للحماية إلى شبكة استخبارات
يستند التقرير إلى فكرة بسيطة لكنها شديدة الخطورة، فكلما أصبحت كاميرات المراقبة أكثر اتصالًا بالشبكات وأكثر اعتمادًا على السحابة والذكاء الاصطناعي، اتسعت مساحة الهجوم عليها. وفي نموذج كاميرات المراقبة التقليدية، كانت الصورة تنتقل إلى شاشة أو جهاز تسجيل محلي داخل شبكة مغلقة نسبيًا.
أما كاميرات IP الحديثة، فلها عناوين شبكية وبرمجيات تشغيلية وقنوات لتحديث البرامج وأنظمة لإدارة الفيديو واتصالات بخدمات سحابية. وهكذا تحولت شبكة الكاميرات من أداة تسجيل محلية إلى بنية تحتية ضخمة لجمع المعلومات.
لكن الخطر لا يكمن فقط في مشاهدة بث مباشر. فمعالجة كميات هائلة من الفيديو بالذكاء الاصطناعي تتيح استخراج أنماط الحركة، وتحديد الأشخاص والمركبات، وربط المواعيد والمواقع ببعضها، وبناء ما تسميه الأجهزة الاستخباراتية "نمط الحياة"، أي تشكيل صورة تفصيلية عن عادات شخص أو مؤسسة وتحركاتها اليومية.
طهران.. الكاميرا تتحول إلى عين استخباراتية
يقدم التقرير حادثة طهران في مارس 2026 باعتبارها المثال الأكثر وضوحًا على هذا التحول. وبحسب الرواية التي يستند إليها التقرير، تمكنت أجهزة استخبارات إسرائيلية خلال سنوات من اختراق أجزاء من شبكة كاميرات المرور والمراقبة في العاصمة الإيرانية، وأصبحت تسجيلات مئات الكاميرات مصدرًا للمعلومات عن تحركات المسؤولين والحراس والمركبات.
كما أن الأهمية هنا تتجاوز اختراق كاميرا بعينها. فجمع الصور من عدد كبير من الكاميرات يسمح ببناء خريطة زمنية للحركة داخل مدينة كاملة.
ومع الخوارزميات، يمكن الانتقال من سؤال مثل «ماذا حدث؟» إلى سؤال أكثر خطورة: «من يتحرك؟ ومتى؟ وإلى أين؟ ومن يرافقه؟» ويشير التقرير إلى أن هذه المعلومات ساعدت في رسم صورة استخباراتية عن تحركات مسؤولين إيرانيين قبل العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت القيادة الإيرانية.
وهنا تظهر المفارقة في أكثر صورها وضوحًا: شبكة مدنية أنشئت لإدارة المدينة وحمايتها يمكن أن تصبح مستشعرًا استخباراتيًا ضد الدولة نفسها.
الخطر لا يتوقف عند الشركات المصنعة
وأكد التقرير أن المشكلة لا تتعلق بكاميرا منفردة أو بعلامة تجارية واحدة. فالتقرير يلفت إلى وجود طبقات متعددة يمكن أن تظهر فيها الثغرات: الجهاز نفسه، والمنصة التي تدير الكاميرات، وقناة نقل البيانات.
وتظهر شركة Hikvision في التقرير باعتبارها مثالًا على التحديات المرتبطة بمعدات المراقبة واسعة الانتشار، فقد كشفت السلطات الأمريكية في 2017 عن ثغرة أمنية خطيرة في بعض منتجات الشركة سمحت بالوصول عن بعد دون مصادقة مناسبة، لكن أهمية المثال لا تتعلق بشركة بعينها بقدر ما تتعلق بمشكلة أوسع حول كيفية ضمان سلامة ملايين الأجهزة التي تعمل منذ سنوات، بينما تعتمد على مكونات وبرمجيات وخدمات سحابية من جهات متعددة، إذ أن كل كاميرا متصلة بالشبكة تضيف نقطة جديدة إلى المنظومة التي يجب تأمينها.
التجسس أصبح أقل تكلفة
الأكثر إثارة للقلق أن الحصول على قدرة مراقبة متقدمة لم يعد حكرًا على أجهزة استخبارات ضخمة. ويعرض التقرير حالات في الهند استخدمت فيها كاميرات صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية وبشرائح اتصال خلوية لبث صور مباشرة من مواقع عسكرية وحساسة.
وبحسب التحقيقات التي يستشهد بها التقرير، جرى تركيب بعض هذه الأجهزة بواسطة أفراد جرى تجنيدهم محليًا، ثم نقل البث إلى جهات خارج البلاد، وهذه الحالة تكشف تحولًا مهمًا في طبيعة التهديد.
لم يعد المهاجم يحتاج بالضرورة إلى اختراق شبكة عسكرية محمية. أحيانًا يكفي وضع كاميرا تجارية رخيصة في المكان الصحيح. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي ليضاعف المشكلة. فالكمية الهائلة من الفيديو التي كان تحليلها يدويًا يتطلب فرقًا كبيرة من المحللين يمكن اليوم معالجتها آليًا، واستخراج الأنماط منها بسرعة وعلى نطاق واسع.
اختراق منصة واحدة قد يفتح آلاف الكاميرات
ولا تحتاج عملية الاستغلال دائمًا إلى معدات مصنعة في دولة بعينها أو إلى جهاز استخبارات أجنبي. وفي 2021، تعرضت منصة شركة Verkada الأمريكية للمراقبة السحابية لاختراق مكّن المهاجمين من الوصول إلى نحو 150 ألف كاميرا.
وشملت المشاهد منشآت صناعية ومكاتب ومستشفيات ومرافق أمنية ومؤسسات أخرى. وتكشف هذه الواقعة عن طبقة مختلفة من المشكلة، فقد تكون المنصة التي تدير الكاميرات أخطر من الكاميرا نفسها. فإذا حصل مهاجم على صلاحيات إدارية واسعة، يمكن أن ينتقل من جهاز إلى آلاف الأجهزة في وقت قصير.
المشكلة الحقيقية
المعضلة إذن ليست في وجود كاميرات المراقبة، فهي أصبحت جزءًا أساسيًا من أمن المدن والمنشآت. المشكلة في الطريقة التي تصمم بها هذه الأنظمة وتشتري وتدار وتراجع أمنيًا.
وتزداد المخاطر عندما تظل الأجهزة القديمة قيد التشغيل لسنوات، أو عندما تكون تحديثات البرامج غير منتظمة، أو عندما تمر البيانات عبر بنى سحابية لا تخضع لرقابة كافية، أو عندما لا تعرف المؤسسة بصورة دقيقة أين تخزن تسجيلاتها ومن يستطيع الوصول إليها، لهذا يدعو التقرير إلى وضع معيار وطني موحد لاعتماد معدات المراقبة وتدقيقها وإدارة بياناتها، بدل التعامل مع الكاميرا باعتبارها مجرد قطعة إلكترونية يتم شراؤها وتركيبها ثم نسيانها. فالمنظومة الأمنية الحقيقية تبدأ قبل تشغيل الكاميرا، وتستمر طوال دورة حياتها.
الكاميرا التي تحميك تراقبك
أكد التقرير أن الكاميرا الموضوعة أمام منشأة لحمايتها لا تعرف من هو الصديق ومن هو الخصم. والبرنامج الذي يسمح لمسؤول الأمن بمشاهدة البث عن بعد يمكن، إذا اخترق، أن يمنح شخصًا آخر القدرة نفسها، ومع انتشار الذكاء الاصطناعي، تتغير قيمة التسجيلات نفسها: الفيديو لم يعد مجرد أرشيف لما حدث، وإنما قاعدة بيانات يمكن استخراج أنماط السلوك والحركة والروابط منها.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر خطورة في عصر المراقبة الرقمية، أي أنه كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الآخرين، ازدادت الحاجة إلى التأكد من أن أحدًا آخر لا يستطيع استخدام أعيننا لرؤيتنا.