< سيدني أمام معادلة صعبة.. لماذا أصبح الأذان أزمة في أستراليا؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

سيدني أمام معادلة صعبة.. لماذا أصبح الأذان أزمة في أستراليا؟

الرئيس نيوز

تحول طلب بسيط ظاهريا إلى معركة ثقافية وسياسية في غرب سيدني حول ما إذا كان مسجد اللكمبا، أحد أبرز وأكبر المساجد في أستراليا، يستطيع أن يبث الأذان عبر مكبرات صوت خارجية مرة واحدة أسبوعيا. لكن الإجابة التي جاءت من مجلس كانتربيري-بانكستاون كانت بالرفض، بعد موجة اعتراضات واسعة أعادت إلى الواجهة أسئلة أعمق من مستوى الضوضاء؛ فأين تنتهي حرية ممارسة الشعائر الدينية وتبدأ قواعد الفضاء العام؟ وهل يعامل الأذان بالطريقة نفسها التي تعامل بها أصوات الكنائس وأجراسها؟

وذكرت صحيفة دايلي ميل البريطانية أن المقترح تقدمت به الجمعية الإسلامية اللبنانية التي تدير مسجد اللكمبا، وكان يتضمن تركيب 4 مكبرات صوت على برج المسجد، لبث الأذان لمدة لا تتجاوز 15 دقيقة ظهر كل جمعة. وتقول الجمعية إن البث سيكون محدودا ومنظما، بينما أثار الطلب اعتراضات جماعية من السكان، ووصل عدد المذكرات الرافضة إلى أكثر من 1600 اعتراض، وفقا لتقارير صحفية أسترالية حديثة.

1600 اعتراض.. ومشكلة الأذان تتجاوز ملف الضوضاء 

سبق أن بث المسجد الأذان عبر مكبراته في مناسبات استثنائية، خصوصا خلال شهر رمضان عام 2020، عندما أدت قيود جائحة كورونا إلى إغلاق المساجد ومنع التجمعات. يومها كان الهدف إيصال أجواء العبادة إلى السكان المسلمين الذين حرموا من الذهاب إلى المسجد، واستمر البث خلال رمضان لفترة محدودة، ولم يتحول إلى ممارسة أسبوعية دائمة.

لكن المقترح الجديد أعاد المسألة إلى منطقة أكثر حساسية. فالمعارضون يركزون على الضوضاء وتأثيرها في السكان والعقارات، فيما يرى مؤيدو المشروع أن المسألة تتعلق بحق مجتمع ديني كبير في التعبير العلني عن شعائره. وأشارت تقارير محلية إلى أن نمذجة صوتية مرتبطة بالطلب قدرت مستوى الصوت المحتمل بنحو 92 ديسيبل، وهو ما أصبح إحدى نقاط الخلاف الأساسية بين أصحاب المشروع وخصومه.

وهنا يظهر البعد الثقافي للنزاع. فاللكمبا ليست منطقة هامشية في الحياة الإسلامية الأسترالية؛ المسجد يقع في قلب واحدة من أكثر مناطق سيدني ارتباطا بالمجتمع المسلم، فيما أصبح مهرجان "ليالي اللكمبا" خلال رمضان حدثا جماهيريا يستقطب أعدادا ضخمة من الزوار. لذلك يرى مؤيدو الأذان أن السماح به لمدة قصيرة أسبوعيا يمكن أن يكون امتدادا طبيعيا لحضور ديني موجود بالفعل في المنطقة، وليس تغييرا مفاجئا في هوية المكان.

أجراس الكنائس تدخل على خط المعركة

أحد أكثر جوانب القضية إثارة هو المقارنة مع التقاليد الدينية الأخرى. فقد طرح بعض أعضاء المجلس سؤالا واضحا، إذا كانت الكنائس تستطيع استخدام أجراسها في الفضاء العام، فلماذا يصبح الأذان مشكلة عندما يصدر من مسجد؟

وخلال النقاشات المحلية، دعا بعض أعضاء المجلس إلى التعامل مع أصوات دور العبادة وفق معيار واحد، محذرين من أن وضع قيود خاصة على الأذان يمكن أن يفتح نقاشا أوسع حول المساواة في ممارسة الشعائر. في المقابل، يرى المعارضون أن القضية تخضع لقواعد التخطيط والضوضاء، وأن الموافقة على الطلب يجب ألا تكون مرتبطة بالدين وإنما بتأثير البث في المحيط السكني.

لكن النقاشات لم تبقى داخل حدود التخطيط العمراني. فقد تحدثت الجمعية الإسلامية اللبنانية عن تلقي تهديدات وتعليقات عدائية خلال الجدل حول المقترح، بينما حذر مسؤولون في المجتمع المسلم من أن بعض الاعتراضات لا يمكن تفسيرها باعتبارات الضوضاء وحدها. وفي المقابل، يرى بعض منتقدي المشروع أن استخدام مكبرات الصوت في مكان عام يفرض ممارسة دينية على أشخاص لا يشاركون فيها، وهو ما يجعل الخلاف شديد الحساسية في مجتمع متعدد الأديان والثقافات.

قرار محلي.. واختبار أوسع للتعايش

أشارت شبكة ABC الإخبارية إلى أن رفض المجلس لا يعني أن المعركة انتهت. فالجمعية الإسلامية اللبنانية تستطيع إعادة صياغة المقترح أو البحث عن ترتيبات أخرى، بينما يظل السؤال الأوسع قائما، كيف تتعامل مدينة مثل سيدني مع التعبير الديني في الأماكن العامة في وقت أصبحت فيه المجتمعات المهاجرة جزءا راسخا من نسيجها الاجتماعي؟

القضية تكشف أيضا تحولا ديموغرافيا وثقافيا لا يمكن تجاهله. المسلمون يشكلون نسبة مهمة من سكان سيدني الكبرى، ومسجد اللكمبا نفسه أصبح مؤسسة دينية واجتماعية تتجاوز وظيفة مكان الصلاة. لكن توسع الحضور العام لأي جماعة دينية يضعها في الوقت ذاته أمام اختبار قبول المجتمع الأوسع لهذا الحضور.

ولهذا فإن قصة الأذان في سيدني ليست في جوهرها معركة على 15 دقيقة من الصوت يوم الجمعة. إنها اختبار صغير لكنه شديد الدلالة للتوازن بين الحرية الدينية، وحقوق السكان، وقواعد الضوضاء، والمساواة بين الأديان، والخوف من التغير الثقافي. وما يجعل القضية قابلة للتصعيد هو أن كل طرف يستطيع تقديم حجته باعتبارها دفاعا عن مبدأ أساسي؛ إذ أن الجمعية تدافع عن حقها في ممارسة شعائرها علنا، والمعترضون يدافعون عن حقهم في بيئة سكنية هادئة، وفي الأثناء يحاول مجلس المدينة رسم الخط الفاصل بين الاثنين.