< القاهرة أولًا.. كيف تدير مصر أصعب مراحل خطة غزة؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

القاهرة أولًا.. كيف تدير مصر أصعب مراحل خطة غزة؟

الرئيس نيوز

تحولت القاهرة إلى مركز حرج لاختبار الانتقال من وقف إطلاق النار إلى ترتيبات المرحلة التالية. ففي 16 أغسطس، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر في العلمين، بالتزامن مع اجتماع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد بوفد من حركة حماس برئاسة خليل الحية، بينما عقد المبعوثون الأمريكيون لقاءات مع وسطاء مصريين وقطريين وأتراك لدفع خطة الرئيس دونالد ترامب بشأن غزة، وفقا لصحيفة تورنتو ستار الكندية.

ويعكس هذا التحرك تغير طبيعة المفاوضات. فوقف إطلاق النار لم يعد الملف الوحيد، بعدما انتقلت المباحثات إلى قضايا أكثر تعقيدًا تشمل إدارة قطاع غزة، وسلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، والترتيبات الأمنية، وإعادة الإعمار، وإدارة المعابر. وتنص الخطة الأمريكية على نزع سلاح حماس، وانسحاب إسرائيلي تدريجي، وإنشاء إدارة مدنية فلسطينية جديدة، إلى جانب ترتيبات أمنية وقوة استقرار دولية. لكن إسرائيل وحماس ما زالتا مختلفتين حول ترتيب هذه الخطوات والضمانات المطلوبة لتنفيذها.

السيسي ومسار القرار السياسي

ولفتت صحيفة فويس أوف إمارات إلى أن لقاء السيسي بكوشنر يمثل المستوى السياسي الأعلى في التحرك المصري. وتتعامل القاهرة مع الخطة الأمريكية باعتبارها مسارًا له انعكاسات مباشرة على أمن الحدود المصرية ومستقبل غزة وترتيبات معبر رفح.

وتمتلك مصر عوامل نفوذ لا تتوافر مجتمعة لدى أي وسيط آخر. فهي الدولة العربية الوحيدة التي تشترك بحدود مباشرة مع غزة، وتمتلك معبر رفح، وقنوات أمنية مع إسرائيل، واتصالات مباشرة مع حماس والسلطة الفلسطينية، وعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة. كما أن لها خبرة طويلة في إدارة ملفات وقف إطلاق النار والمصالحة الفلسطينية.

وتعتمد واشنطن على هذه الشبكة من العلاقات في محاولة تحويل الخطة السياسية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، وهو ما يفسر تكثيف الاتصالات في القاهرة قبل انتقال كوشنر إلى إسرائيل للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

حسن رشاد وقناة حماس

في المسار الموازي، عقد رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد اجتماعًا مع وفد حماس برئاسة خليل الحية. وتمثل هذه القناة أهمية خاصة لأنها تتيح التعامل مع الملفات الأمنية والسياسية الحساسة بعيدًا عن القنوات الدبلوماسية التقليدية. وتزامن اجتماع رشاد مع التحرك الأمريكي في القاهرة، بما يعكس وجود مسارين متوازيين: مسار سياسي مع واشنطن، ومسار أمني مباشر مع حماس. ولا يعني ذلك أن القاهرة تملك قرار الحركة، لكنه يمنحها قناة اتصال ضرورية لأي محاولة لترجمة المقترحات السياسية إلى ترتيبات عملية.

وتتمتع مصر بخبرة طويلة في استخدام موقعها الجغرافي واتصالاتها الأمنية كأدوات للتأثير، مع الحفاظ على قنوات مع مختلف الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية.

رفح من معبر حدودي إلى اختبار للتنفيذ

سيكون معبر رفح من أكثر الملفات حساسية في أي اتفاق نهائي. فإدارة حركة الأشخاص والمساعدات، وضبط الحدود، ومنع التهريب، وترتيبات الأمن الجديدة، كلها ملفات تحتاج إلى تنسيق مباشر مع مصر.

لكن القاهرة لا تريد أن تتحول هذه الميزة الجغرافية إلى مسؤولية منفردة عن أمن غزة. فانسحاب إسرائيلي محتمل من مناطق داخل القطاع قد يخلق فراغًا أمنيًا، ومصر تسعى إلى ترتيبات إقليمية ودولية توزع مسؤوليات الأمن والتمويل والإدارة، بدل أن تتحمل القاهرة وحدها تبعات الأزمة.

وهذا يفسر تمسك مصر بترتيبات متعددة الأطراف، خصوصًا أن استقرار حدودها وأمن سيناء يرتبطان مباشرة بأي فوضى أمنية في غزة.

من يدير غزة بعد الحرب؟

تتركز المرحلة الأصعب حول مستقبل الحكم.

الخطة الأمريكية تتجه إلى إنشاء إدارة مدنية فلسطينية جديدة، مع ترتيبات أمنية ونزع سلاح حماس، بينما لا يزال الخلاف قائمًا بين إسرائيل والحركة بشأن ترتيب هذه الإجراءات وضماناتها.

وتدعم مصر بقاء دور فلسطيني مباشر في إدارة القطاع، وترفض أن تتحول غزة إلى كيان منفصل عن بقية الأراضي الفلسطينية. كما أقرت القمة العربية في مارس 2025 الخطة المصرية لإعادة إعمار القطاع من دون تهجير سكانه، في إطار تصور يربط إعادة البناء بالحفاظ على الوجود الفلسطيني ووحدة الأراضي الفلسطينية.

ومن هذا المنطلق، لا تنظر القاهرة إلى إعادة الإعمار باعتبارها عملية بناء فقط، بل باعتبارها جزءًا من ترتيبات سياسية وأمنية يجب أن تضمن بقاء الفلسطينيين في أرضهم وفتح الطريق أمام تسوية سياسية أوسع.

مصر بين واشنطن وحماس وإسرائيل

تتحرك القاهرة داخل مثلث تفاوضي شديد التعقيد. واشنطن تملك المبادرة والضغط السياسي، وحماس تملك قرارًا أساسيًا يتعلق بالسلاح ودورها المستقبلي، بينما تملك إسرائيل القرار العسكري على الأرض.

وقد أعلن نتنياهو رفض الانسحاب من غزة قبل ضمان نزع سلاح حماس والجماعات المسلحة بالكامل، في حين تحاول الإدارة الأمريكية دفع الطرفين نحو صيغة انسحاب تدريجي مقابل ترتيبات نزع السلاح.

وهنا تظهر حدود الدور المصري. تستطيع القاهرة تقريب المواقف وفتح قنوات الاتصال وتسهيل التفاهمات، لكنها لا تستطيع اتخاذ القرار نيابة عن الأطراف المعنية.

من الوساطة إلى الدبلوماسية التنفيذية 

لعل أهم تحول في الدور المصري هو الانتقال من وساطة هدفها وقف الحرب إلى دبلوماسية تهتم بكيفية تنفيذ الاتفاق بعد توقيعه. وتشمل هذه المرحلة ملفات يومية شديدة الحساسية: الحدود، المعابر، المساعدات، الأمن، الاتصال بين الأطراف، وإعادة الإعمار. لذلك فإن أي اتفاق لا يحدد بوضوح آليات التنفيذ قد يظل معرضًا للانهيار حتى بعد توقيعه.

وتختلف مصر عن قطر وتركيا في أن جغرافيتها تجعلها مرتبطة مباشرة بالتنفيذ. فبينما تستطيع الدوحة وأنقرة توفير قنوات سياسية مهمة، تقع مصر على حدود غزة وتمتلك معبر رفح وقنوات أمنية مع الأطراف الرئيسية.

ولهذا لا تسعى القاهرة إلى إدارة غزة بنفسها، وإنما إلى التأثير في ترتيبات اليوم التالي بما يحمي أمنها ويمنع تهجير الفلسطينيين، ويضمن استمرار المساعدات، ويحافظ على دور فلسطيني في إدارة القطاع، ويمنع تحميل مصر وحدها تكلفة المرحلة المقبلة.

الاختبار بدأ في القاهرة

كشفت اجتماعات 16 أغسطس بوضوح تغير طبيعة الدور المصري. السيسي يتعامل مع واشنطن على مستوى القرار السياسي، وحسن رشاد يدير قناة مباشرة مع حماس، بينما يمنح الموقع الجغرافي مصر نفوذًا خاصًا في ملفات الحدود والمعابر والمساعدات والأمن. ولا يعني ذلك أن القاهرة ستدير غزة أو أنها تملك مفاتيح المرحلة المقبلة. لكنه يعني أن أي صيغة مستقرة لليوم التالي ستحتاج إلى تنسيق مصري مباشر.

وبذلك تنتقل مصر تدريجيًا من موقع الوسيط الذي يسعى إلى وقف الحرب إلى موقع الطرف الذي يريد التأثير في شكل النظام الذي سيأتي بعدها، مع الحفاظ على مسؤولياتها الأساسية: حماية الأمن القومي، منع انتقال الفوضى المسلحة إلى سيناء، رفض تهجير الفلسطينيين، استمرار المساعدات، ودعم إدارة فلسطينية للقطاع.

وقد أكدت مصر في مواقفها الرسمية السابقة أن إعادة إعمار غزة يجب أن تتم من دون تهجير سكانها، وأن الحل المستدام للقضية الفلسطينية يرتبط بإقامة دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين.