< مصر تلاحق ثغرات تسجيل المحمول.. التحقق بالوجه يصبح سلاحًا ضد انتحال الهوية
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مصر تلاحق ثغرات تسجيل المحمول.. التحقق بالوجه يصبح سلاحًا ضد انتحال الهوية

الرئيس نيوز

تواجه مصر ثغرات الهوية الرقمية بتكنولوجيا التحقق بالوجه الإلزامية، وبدأت الأزمة من واقعة كشفت خطورة ربط الهوية الشخصية بخطوط الهاتف المحمول، في أعقاب حكم قضائي على طالب جامعي بالسجن 25 عامًا في قضية اتجار بالمخدرات، بعدما استُخدم خط هاتف مسجل باسمه في الجريمة، رغم أنه لم يكن المستخدم الفعلي للخط، وكان قد سمح لصديق باستخدام بطاقته الشخصية لاستخراج شرائح هاتف.

ودفعت الواقعة مواطنين إلى مراجعة الأرقام المسجلة بأسمائهم عبر تطبيق “My NTRA” التابع للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، لتظهر شكاوى أخرى تتعلق بخطوط جرى تسجيلها باستخدام بيانات أصحابها دون علمهم.

خطوة نحو التحقق بالوجه

أمام اتساع المخاوف، اتجه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى تشديد إجراءات تسجيل الشرائح الجديدة، من خلال تطبيق التحقق البيومتري من هوية العميل، وبموجب النظام الجديد، يُطلب من الراغب في تفعيل شريحة جديدة تقديم بطاقة الرقم القومي والتقاط صورة ذاتية، ثم تُجرى مطابقة إلكترونية بين صورة الوجه والصورة الموجودة في وثيقة الهوية، قبل إتمام عملية التفعيل.

ووفقًا لصحيفة بيومترك أبديت الكندية، يستهدف النظام جعل التحقق بالوجه إجراءً إلزاميًا عند تفعيل الشرائح الجديدة، مع استمرار إجراءات التعاقد التقليدية، كما أكد الجهاز أن شركات المحمول لن تحتفظ بالبيانات البيومترية التي تستخدم في عملية المطابقة.

آلاف الشكاوى تكشف حجم الثغرة

لم تتوقف القضية عند حالات فردية، إذ أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تلقي نحو 4 آلاف شكوى من مواطنين قالوا إنهم اكتشفوا وجود خطوط مسجلة بأسمائهم من دون علمهم، وفي أعقاب ذلك، أُحيلت شركات الاتصالات الأربع العاملة في السوق المصري إلى النيابة العامة للتحقيق في المخالفات المرتبطة بعمليات تسجيل الشرائح.

كما صدرت تعليمات بوقف عمليات بيع وتفعيل الخطوط الجديدة عبر أنظمة التسجيل المؤسسي، مع مطالبة مستخدمي الخطوط القديمة المسجلة باسم شركات أو جهات بتوفيق أوضاعها وتوقيع عقود بأسماء المستخدمين الفعليين، وإلغاء الخطوط التي لا تستكمل إجراءات التوثيق خلال المدة المحددة.

رقم الهاتف لم يعد مجرد وسيلة اتصال

تزداد خطورة هذه الثغرات مع اتساع ارتباط رقم الهاتف بالخدمات الرقمية، فالرقم أصبح بوابة إلى المحافظ الإلكترونية والحسابات البنكية وخدمات الدفع وبعض الخدمات الحكومية، ما يجعل السيطرة على خط مسجل بهوية شخص آخر أكثر من مجرد مخالفة إدارية.

وتحول الهاتف بذلك إلى أحد المفاتيح الأساسية للهوية الرقمية، الأمر الذي يجعل التأكد من أن كل شريحة مرتبطة بالمستخدم الحقيقي جزءًا من منظومة حماية البيانات والمعاملات المالية والحكومية.

الحل البيومتري يفتح سؤال الخصوصية

في المقابل، يثير الاعتماد المتزايد على بيانات الوجه مخاوف أخرى تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات الشخصية، فالبيانات البيومترية تختلف عن كلمات المرور؛ فإذا تسربت كلمة مرور يمكن تغييرها، أما بصمة الوجه فلا يمكن ببساطة استبدالها، ولذلك يحذر حقوقيون من أن توسيع نطاق جمع البيانات البيومترية يحتاج إلى ضمانات قوية بشأن التخزين والاستخدام والوصول إليها.

وأثارت تجارب دول أخرى تساؤلات حول قدرة أنظمة المطابقة البيومترية وحدها على منع إساءة استخدام الهوية، خصوصًا عندما يمتلك شخص آخر أصلًا وثيقة الهوية الخاصة بصاحبها.

صيدلانية تكتشف أنها مديرة لشركة لا تعرفها

وفي الوقت الذي كانت فيه قضية شرائح الهاتف تتفاعل، ظهرت واقعة أخرى كشفت أن المشكلة قد تتجاوز خطوط المحمول إلى منظومة الهوية القانونية نفسها، فقد دخلت صيدلانية من مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية إلى منصة مصر الرقمية لمراجعة بياناتها، بعد انتشار واقعة الطالب، لتكتشف أن شركة أدوية في المنصورة مسجلة باسمها، وأنها تظهر في المستندات الرسمية كشريكة ومديرة فنية، رغم تأكيدها أنها لم تؤسس الشركة ولم توقع أي مستندات تتعلق بها.

ولم تكن الصدمة في القيمة المالية للشركة بقدر ما ارتبطت بالمسؤولية المهنية والقانونية التي يمكن أن تترتب على ظهور اسمها كمديرة فنية لنشاط دوائي لم تعرف عنه شيئًا.

اسم على الورق.. ومسؤولية كاملة

وأوضح محامي الصيدلانية أن ظهور اسمها في هذا الموقع القانوني قد يضعها أمام مسؤوليات مهنية ومدنية وجنائية وتأديبية، لأن المدير الفني يتحمل مسؤوليات مباشرة عن نشاط المنشأة أمام الجهات المختصة، وزادت الشكوك بعدما واجه فريق الدفاع صعوبة في الوصول إلى مقر واضح للشركة وفق البيانات الرسمية المسجلة عنها.

الواقعة تكشف ما هو أكبر

الأكثر إثارة أن انتشار قصة الصيدلانية دفع مواطنين آخرين إلى مراجعة بياناتهم عبر منصة مصر الرقمية، وفق ما نقله محاميها، ليكتشف بعضهم أنهم مسجلون كشركاء أو مسؤولين في كيانات تجارية لا يعرفون عنها شيئًا.

وكشفت واقعتا الطالب والصيدلانية عن مشكلة تتجاوز مجرد شرائح هاتف غير موثقة: من يملك بيانات المواطن يستطيع، إذا كانت أنظمة التحقق ضعيفة، أن يترك آثارًا قانونية ومالية ورقمية باسمه من دون علمه.

ومن هنا يأتي التوجه نحو التحقق البيومتري باعتباره محاولة لإغلاق إحدى أهم الثغرات: التأكد من أن الشخص الذي يستخدم الهوية هو صاحبها فعلًا، لا مجرد شخص يحمل بطاقتها، لكن نجاح التجربة سيعتمد في النهاية ليس فقط على دقة تقنية التعرف على الوجه، بل أيضًا على قوة الرقابة وحماية البيانات ومحاسبة من يستغل الهوية الرقمية للآخرين.