< عمرها 3 آلاف عام.. مقبرة جديدة في الأقصر تكشف أسرار جبانة طيبة وتهديدات المناخ
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

عمرها 3 آلاف عام.. مقبرة جديدة في الأقصر تكشف أسرار جبانة طيبة وتهديدات المناخ

الرئيس نيوز

وثقت كارينا فان دن هوفن، الباحثة بالمعهد الهولندي للشرق الأدنى بجامعة ليدن ومديرة فريق بحث دولي يعمل في جبانة طيبة بالأقصر، تجربة اكتشاف مقبرة مصرية قديمة حديثًا، ووصفتها بأنها لحظة تجمع بين الإثارة والرهبة والخوف. جاء ذلك في مقال نشرته في مجلة ذا كونفرسيشن، تناولت فيه تفاصيل الاكتشاف والتحديات التي تواجه حماية الموقع.

بعثة للحماية تقود إلى اكتشاف عمره 3 آلاف عام

كان الهدف الأساسي للمشروع تنفيذ برنامج للحفاظ على الجبانة وإدارة المخاطر في منطقة الشيخ عبد القرنة السفلى، الواقعة عند سفوح جبل طيبة والمعرضة للسيول المفاجئة الناتجة عن الأمطار الغزيرة.

عمل الفريق على إزالة الركام بصورة منهجية وتوثيق الطبقات الأثرية، بهدف توجيه مياه السيول بعيدًا عن المقابر والحفاظ على المعلومات التاريخية التي تحملها المنطقة. وخلال هذه الأعمال، عثرت البعثة على مقبرة لم تكن معروفة من قبل، يعود تاريخها إلى نحو 3 آلاف عام.

مقبرة للنخبة ورسوم تكشف أسرار صاحبها

أظهر الفحص الأولي أن تصميم المقبرة يتوافق مع مقابر النخبة في طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، بين نحو 1550 و1069 قبل الميلاد، عندما كانت طيبة عاصمة مصر ومركزها السياسي والديني.

تضم المقبرة فناءً خارجيًا، ومقصورة منحوتة في الصخر، وحجرات دفن تحت الأرض. وكان الفناء محفوظًا بصورة جيدة، ويضم منصة من الطوب اللبن وتجويفًا مخصصًا للوحة جنائزية، إلى جانب درج يؤدي إلى مدخل المقبرة.

أما المفاجأة الأبرز فكانت داخل المقصورة، حيث ظهرت رسوم جدارية زاهية الألوان تصور صاحب المقبرة وهو يتعبد لعدد من الآلهة، إلى جانب مشاهد يظهر فيها مع زوجته أمام مائدة قرابين تضم الخبز والجعة والفواكه واللحوم والزهور.

وبالاستناد إلى الرموز الدينية والأسلوب الفني، حدد الفريق المقبرة باعتبارها تعود إلى العصر الرعامسي، بين نحو 1292 و1069 قبل الميلاد. وتوفر الرسوم معلومات مهمة عن الحياة اليومية والمجتمع والمعتقدات في مصر القديمة، كما قد تكشف المزيد عن عائلة صاحب المقبرة ومن أعادوا استخدامها في فترات لاحقة.

من هو صاحب المقبرة؟

تقع جبانة طيبة على مساحة تقارب 10 كيلومترات مربعة، وكانت المقبرة الملكية ومقبرة النخبة الرئيسية في مصر لنحو نصف ألف عام.

وتضم المنطقة مواقع شهيرة مثل وادي الملوك، حيث دفن توت عنخ آمون ورمسيس الثاني، ووادي الملكات، إضافة إلى مئات المقابر الخاصة بالنخبة والمعابد التذكارية الملكية وبقايا القصور.

ويعمل الفريق في المنطقة منذ عام 2018 بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار المصرية. وأظهر التحليل الأولي للزخارف أن صاحب المقبرة الرئيسي كان مسؤولًا مصريًا يدعى باسر.

ولا تزال الرسوم مغطاة بطبقة من الأتربة، ومن المتوقع أن يكشف تنظيفها المتخصص مزيدًا من المعلومات عن المدفونين في المقبرة وقصصهم.

لماذا أعيد استخدام المقبرة؟

تطرح المقبرة الجديدة أسئلة مهمة حول اختيار مواقع الدفن وإعادة استخدام المقابر في العصر الرعامسي.

يحاول الباحثون فهم أسباب إعادة استخدام مقابر قائمة أو تعديلها، أو بناء مقابر جديدة بالقرب من مقابر نخبة الأسرة الثامنة عشرة، ودراسة تأثير قرب المقابر من طرق المواكب ومقابر الأقارب والمعالم ذات الأهمية الدينية في اختيار مواقع الدفن.

اكتشاف رائع.. لكن المناخ يهدد الماضي

يمثل الاكتشاف، في الوقت نفسه، سباقًا مع الزمن. فتغير المناخ قد يؤدي إلى زيادة تواتر وشدة السيول المفاجئة في المنطقة، بما يهدد المقابر بصورة مباشرة.

وتتسبب المياه في نمو بلورات الملح، وتلف الرسوم الملونة، بل وربما انهيار بعض الهياكل. لذلك يركز المشروع على الحفظ الوقائي وإدارة المخاطر لحماية الآثار للأجيال المقبلة.

حماية الماضي تكشف تاريخًا جديدًا

وتتيح أعمال الحماية أيضًا استكشاف منطقة الشيخ عبد القرنة السفلى بصورة أوسع، وهي منطقة لم تحظَ بالدراسة نفسها التي حظيت بها مواقع مثل وادي الملوك والأقصر والكرنك.

وتشير الأبحاث إلى ثراء المنطقة بالمقابر والمواد الأثرية التي تقدم نافذة على الحياة اليومية والمعتقدات والفنون في مصر القديمة.

 

وهكذا لا يمثل اكتشاف مقبرة باسر نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة لفهم جبانة طيبة وحماية آثارها. فالمقابر التي صمدت آلاف السنين تواجه اليوم خطرًا جديدًا: تغير المناخ والسيول والتدهور الطبيعي.