الباحث في العلاقات الدولية رامي إبراهيم: غياب مصر عن «اتفاق مكة» ضرورة لأدوارها الوسيطة واستقلالية قرارها العسكري(حوار)
الباحث في العلاقات الدولية، رامي إبراهيم للرئيس نيوز:
انخراط مصر في أحلاف دفاعية يُعرقل أدوارها الوسيطة ويحد من استقلالية قرارها العسكري
غياب مصر عن اتفاق مكة لا يعني رفض التعاون العسكري مع السعودية وتركيا وباكستان
مصر تملك شبكة واسعة من الشراكات الإقليمية والدولية والأحلاف العسكرية يقيد تحركاتها
السعودية تسعى لتنويع مظلتها الأمنية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة لكن من دون استبدالها
المظلة الأمنية الأمريكية أثبتت ضعفها أمام هجمات إيران ووكلائها على الخليج
الاتفاق يقوم على الدفاع المشترك ضد أي اعتداءات ويركز على تبادل المعلومات والإنتاج العسكري
الاتفاق تكاملي فالسعودية قوة اقتصادية نفطية وتركيا تتميز بالصناعات العسكرية وباكستان قوة عسكرية نووية
تركيا تسعى لزيادة مبيعاتها العسكرية وباكستان تطمح لأدوار قيادية في المنطقة
قال الباحث في العلاقات الدولية، رامي إبراهيم، إن انخراط مصر في أحلاف دفاعية قد يُعرقل أدوارها الوسيطة في النزاعات التي يشهدها الإقليم، ويحد من استقلالية قرارها العسكري، موضحا في حوار مع «الرئيس نيوز» أن غياب مصر عن «اتفاق مكة» لا يعني رفض التعاون العسكري مع السعودية وتركيا وباكستان، وإنما امتلاك مصر لشبكة واسعة من الشراكات الإقليمية والدولية والأحلاف العسكرية يقيد تحركاتها، لافتا إلى أن السعودية تسعى لتنويع مظلتها الأمنية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة لكن من دون استبدالها، وأن المظلة الأمنية الأمريكية أثبتت ضعفها أمام هجمات إيران ووكلائها على الخليج. وفيما يلي نص الحوار.
كيف قرأت اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا؟
كان متوقعا منذ أن وقعت السعودية وباكستان اتفاقا دفاعيا خلال وقت سابق، فكل المؤشرات كانت تتجه إلى أن هذا الاتفاق قد يشمل مشاركة دول أخرى فيه، وبالفعل انضمت له تركيا، وبشكل عام فإن اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان، يعكس رغبة الرياض في تنويع مظلتها الأمنية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة بعد أن ظهر ضعف المظلمة الأمنية الأمريكية في حماية منشآت الدول الخليجية من الهجمات المتكررة من قبل إيران ووكلائها في العراق واليمن، والمملكة تسعى منذ فترة إلى توسيع شبكة الحماية الأمنية مع ظهور تهديدات الحوثيين وغيرها من الأطراف الإقليمية.
وما هي أهداف هذا الحلف الدفاعي؟
وفق ما هو معلن فإن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاثة يُعد اعتداء على الجميع يستوجب تفعيل البند الدفاعي من الاتفاق، وما دون ذلك فإن التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث من المحتمل أن يتجه إلى توسيع مجالات التنسيق الدفاعي والاستخباراتي، وتبادل الخبرات والتدريب، والصناعات العسكرية والإنتاج المشترك، إلى جانب تطوير آليات للتنسيق في مواجهة الأزمات والتهديدات الإقليمية.
هل لك أن تعطينا مزيدًا من التفاصيل بشأن المظلة الأمنية الجديدة التي تسعى السعودية لتشكيلها؟
السعودية تُعول على ما تمتلكه تركيا من خبرات في الصناعات الدفاعية المُتقدمة والخبرات العسكرية الكبيرة، بينما تتمتع باكستان بجيش وقدرات بشرية كبيرة واستراتيجية، إلى جانب امتلاكها السلاح النووي، ويمنح هذا التعاون السعودية شبكة أمنية أكثر تنوعًا وقدرة على مُواجهة التهديدات المحتملة، في ظل امتلاكها قدرات اقتصادية ونفطية كبيرة.
إذن ستكون السعودية هي وحدها أكثر المستفيدين من هذا الاتفاق؟
ربما، لكن الأطراف الأخرى تركيا وباكستان ستحقق مكاسب كبيرة من وراء هذا الاتفاق، فبالنسبة لتركيا، يفتح الاتفاق المجال أمام توسيع شراكاتها الدفاعية في الخليج، وتعزيز التعاون في مجالات الصناعات العسكرية والتصدير والإنتاج المشترك، إلى جانب دعم طموحها في لعب دور أكبر في ترتيبات الأمن والطاقة والتجارة التي تربط الشرق الأوسط بآسيا وأوروبا، أما باكستان، فبما تمتلكه من قدرات عسكرية ونووية، فتعزز حضورها في الشرق الأوسط وتمنحها فرصة لتقديم نفسها كقوة قادرة على المساهمة في أمن المنطقة، سواء من خلال الدور العسكري أو عبر الوساطة والاتصالات في أوقات الأزمات.

برأيك من المستهدف من هذا الاتفاق؟
الاتفاق يمثل رسالة ردع قوية إلى المنطقة، لكنه لا يعني بالضرورة أن السعودية تستعد لحرب مع إيران، إذ أكد وزير الخارجية التركي في تصريحات إعلامية أن الاتفاق ليس موجها ضد إيران أو أي دولة بعينها، وإنما يستهدف تعزيز الأمن والردع المشترك، ومع ذلك، فإن توقيت الاتفاق، وسط تصاعد التوترات والهجمات في المنطقة، يمنحه دلالة استراتيجية واضحة، تتمثل في استعداد الدول الثلاث لتوسيع تعاونها الدفاعي والتنسيق في مواجهة أي تهديدات مستقبلية. وأن العدوان الإيراني على دول الخليج ليس فقط فيما يتعلق باستهداف القواعد الأمريكية، بل أيضا الهجوم على المنشآت المدنية وخاصة النفطية إلى جانب الهجوم على السفن في مضيق هرمز، وعدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على الحسم حتى الآن كشف ضعف غطاء الحماية الأمريكي، ما تطلب البحث عن وجود شركاء إقليميين يعوضون النقص في مظلة الحماية الأمريكية وليس استبدالها على الأقل في المستقبل المنظور.
كما تكمن أهمية الاتفاق في رفع كلفة استهداف أي دولة موقعة، وإرسال إشارات أن أي تهديد محتمل قد يواجه شبكة أوسع من الشركاء، وليس دولة منفردة، خاصة وأن الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق تمتلك كل منها عناصر قوة مختلفة، حيث تملك السعودية القوة الاقتصادية والنفطية، وتمتلك تركيا القدرات العسكرية والصناعية، كما تمتلك باكستان القدرات العسكرية والنووية والبشرية أيضا.
كيف ترى عدم انضمام مصر للاتفاق حتى الآن؟
غياب مصر عن الاتفاقية لا يعني بالضرورة رفضها للتعاون العسكري مع السعودية أو تركيا أو باكستان، بل يعكس طبيعة العقيدة العسكرية المصرية التي تميل منذ عقود إلى تجنب الأحلاف الدفاعية الملزمة، والحفاظ على حرية واستقلالية القرار العسكري دون الارتباط بمعاهدات تفرض عليها التدخل تلقائيا في أي نزاع تتعرض له دولة حليفة، كما أن مصر تمتلك شبكة واسعة من الشراكات والتدريبات العسكرية مع دول عربية وغربية وآسيوية، ما يمنحها هامشا أكبر في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية دون الدخول في تحالف دفاعي جماعي، وتتركز الأولويات الأمنية المصرية بدرجة كبيرة على حماية الحدود، وتأمين قناة السويس والبحر الأحمر، والتعامل مع التحديات في محيطها المباشر.
هل مشاركة مصر في التحالف يُعركل من أدوار تقوم بها في المنطقة؟
لا شك أن مصر تُقيم علاقات دولية متنوعة مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا والصين ودول الخليج وغيرها، والانضمام إلى تحالف دفاعي قد يحد من قدرتها على الموازنة بين هذه العلاقات، وفي كل الأحوال فإن عدم مشاركة مصر في اتفاق مكة لا ينبغي تفسيره حاليا باعتباره موقفًا سياسيا أو خلافا ما، خصوصا وأن القاهرة لم تعلن عن موقفها رسميا، كما أن مصر تسعى إلى الحفاظ على دورها كدولة محورية داعمة للسلام والاستقرار الإقليمي، وهو ما يفسر اعتمادها على الوساطة والحوار في التعامل مع الأزمات، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، لذلك ترى أن الحفاظ على هامش واسع من الاستقلالية وعدم الارتباط بأحلاف دفاعية مُلزمة يساعدها على الاستمرار في أداء دور الوسيط والقادر على التواصل مع كافة الأطراف بما يُعزز قدرتها على المساهمة في تسوية النزاعات.